تفسير سورة الصف

فتح الرحمن في تفسير القرآن
تفسير سورة سورة الصف من كتاب فتح الرحمن في تفسير القرآن المعروف بـفتح الرحمن في تفسير القرآن .
لمؤلفه مجير الدين العُلَيْمي . المتوفي سنة 928 هـ

سورة الصف
مدنية في قول الجمهور، وقيل: مكية، والأول أصح؛ لأن معانيها تعضده، ويشبه أن يكون فيها المكي والمدني، وآيها: أربع عشرة آية، وحروفها: تسع مئة وستة وعشرون حرفًا، وكلمها: مئتان وإحدى وعشرون كلمة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾
[١] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدم تفسيره في أول سورة الحديد.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾.
[٢] روي أن جماعة من المؤمنين قالوا: لو أردنا (١) أن نعرف أحبَّ الأعمال إلى ربنا حتى نفنى فيه، ففرض الله الجهاد، وأعلمهم بفضله لديه، وأنه يحب المقاتلين في سبيله كالبنيان المرصوص، وكان إذ فرض تكرَّهَهُ قوم منهم، وفرَّ من فر يوم أُحد، فعاتبهم الله تعالى بقوله:
(١) في "ت": "لوددنا".
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) وقف البزي ويعقوب: (لِمَهْ) بهاء بعد الميم (٢).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
[٣] ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ عظم بغضًا ﴿عِندَ اَللَّهِ﴾ و (مَقْتًا) نصب على التمييز، وفاعل (كَبُرَ) ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وهذا مبالغة في المنع عنه.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾.
[٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ أي: مصفوفين.
﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ لاصقٌ بعضُه ببعض، قد أُحكم، فليس فيه فرجة ولا خلل.
وأما حكم الجهاد، فهو فرض كفاية على المستطيع بالاتفاق، إذا فعله البعض، سقط عن الباقين، وعند النفير العام وهو هجوم العدو يصير فرض عين بغير خلف.
(١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٣٠١).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣٧).
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾.
[٥] ثم ذكر قصة موسى؛ لأن قومه آذوه في الجهاد، وامتنعوا منه؛ كما أن المنافقين آذوا رسول الله - ﷺ -، فقال تعالى: ﴿وإِذْ﴾ أي: واذكر إذ.
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ من بني إسرائيل.
﴿يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ بالتكذيب والقذف بما ليس فيَّ. اتفق القراء على إثبات الياء في الحالين في (تُؤْذُوننَي) و (بِرَسُولٍ يَأْتِي).
﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ والرسول يجب احترامه، و (قَدْ) لتحقيق العلم.
﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ مالوا عن الحق. قرأ حمزة: (زَاغُوا) بالإمالة (١).
﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أمالها عن الإيمان والخير.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾ الذين سبق في علمه فسقُهم.
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾.
[٦] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ولم يقل:
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣٧).
40
يا قوم؛ لأنه لم يكن له في بني إسرائيل قرابة.
﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا﴾ أي: في حال تصديقي.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ يعني: محمدًا - ﷺ -، و (أَحْمَدُ) هو الذي حمدُه لربه أفضلُ من حمد الحامدين غيره، وهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، وأهل السماء والأرض، فلكثرة خصائله المحمودة التي تفوق عددَ العادِّين سمي باسمين من أسماء الحمد، يقتضيان التفضيل والزيادة في القدر والصفة، فدل أحد الاسمين وهو محمد على كونه محمودًا، ودل الاسم الثاني وهو أحمد على كونه أحمد الحامدين لربه، وأن الحمد الذي يستحقه أفضلُ مما يستحقه غيره، وقد أكرمه الله سبحانه بهذين الاسمين المشتقين من اسمه جل وعلا، وتقدم تفسير محمد في سورة (آل عمران)، وفي (الأحزاب)، ولم يُسم بأحمد أحدٌ غيره، ولا دُعي به مدعو قبله، وكذلك محمد أيضًا لم يُسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قُبيل وجوده -عليه ابسلام- وميلاده: أن نبيًّا يبعث اسمه محمد، فسمى قوم قليل من العرب أبناهم بذلك؛ رجاء أن يكون أحدهم هو، وهم: محمد بن أُحيحة بن الجلاج الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن حمدان الجعفي، ومحمد بن خزاعي السلمي، لا سابع لهم (١)، ثم حمى الله كلَّ من تسمى به أن يدَّعي النبوة أو يدَّعيها أحدٌ له، أو يظهر
(١) انظر: "تفسير الثعالبي" (٤/ ٢٩٧)، و"فتح الباري" لابن حجر (٦/ ٥٥٦).
41
له (١)، أو يظهر عليه سبب تشكك أحدًا في أمره حتى تحققت السمتان له - ﷺ -، ولم ينازع فيهما. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مِن بَعْدِي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢)، وكان بين رفع المسيح ومولد النبي - ﷺ - خمس مئة وخمس وأربعون سنة تقريبًا، وعاش المسيح إلى أن رُفع ثلاثًا وثلاثين سنة، وبين رفعه والهجرة الشريفة خمس مئة وثمان وتسعون سنة، ونزل عليه جبريل -عليه السلام- عشر مرات، وأُمَّتُه النصارى على اختلافهم.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (سَاحِرٌ) بألف بعد السين وكسر الحاء، إشارة إلى عيسى عليه السلام، وقرأ الباقون: بكسر السين وإسكان الحاء من غير ألف، إشارة إلى ما جاء به (٣).
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧)﴾.
[٧] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: لا أحدَ أظلمُ.
﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بنسبة الشريك والولد إليه تعالى.
(١) "أو يظهر له" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣٨).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣٨).
﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾ على لسان رسله.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ إلى ما فيه فلاحهم.
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾.
[٨] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ هو توحيده وإظهار شرعه، وزيدت اللام في (لِيُطْفِئُوا) تأكيدًا للإضافة. قرأ أبو جعفر: (لِيُطْفُوا) بضم الفاء وإسكان الواو بغير همز، وقرأ الباقون: بكسر الفاء والهمز (١).
﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ بكذبهم بنسبة الولد والشريك إليه.
﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ بنشره وإعلانه. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مُتِمُّ) بغير تنوين (نُورِهِ) بالخفض إضافة، وقرأ الباقون: بالتنوين، ونصب (نُورَهُ) على الأصل (٢).
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ إرغامًا لهم.
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾.
[٩] ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمدًا - ﷺ -.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣٩).
﴿بِالْهُدَى﴾ بالقرآن ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ وهو الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على سائر الأديان.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ لما فيه من التوحيد وإبطال الشرك.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾ قرأ ابن عامر: (تُنَجِّيكُم) بفتح النون وتشديد الجيم؛ من (نَجَّى)، والباقون: بإسكان النون وتخفيف الجيم؛ من أنجى (١).
﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾.
[١١] ثم بين تلك التجارة فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ وهو خبر بمعنى الأمر.
﴿ذَلِكُمْ﴾ المذكور من الإيمان والجهاد.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إن كنتم من أهل العلم.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٨٥)، و "معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٣٩ - ١٤٠).
﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو: (يَغفِر لَكُمْ) بإدغام الراء في اللام (١) وجزمه جواب شرط محذوف تقديره: إن تؤمنوا، يغفر لكم، وتعطف على (يَغْفِرْ).
﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ وطيبتُها بسعتِها ودوامِ أمرها.
﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِك﴾ المذكور من المغفرة وإدخال الجنة.
﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَأُخْرَى﴾ أَي: ولكم في الجهاد خصلة أخرى ﴿تُحِبُّونَهَا﴾ وتلك الخصلة.
﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّه﴾ على قريش ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ هو فتح مكة.
﴿وَبَشِّرِ﴾ يا محمد ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنصر والجنة.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٤٠).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾.
[١٤] ثم حضهم على نصرة الدين وجهاد المخالفين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (أَنْصَارًا لِلِه) بالتنوين ولام الجر، وإذا وقفوا، أبدلوا من التنوين ألفًا؛ لأن المعنى المذكور كونوا بعضَ أنصار الله، وقرأ الباقون: (أَنْصَارَ) بغير تنوين (اللهِ) بغير لام الجر على إضافة (أَنْصَارَ) إلى (اللهِ) (١)؛ أي: أنصارَ دينه؛ لقوله: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ)، وإذا وقفوا، أسكنوا الراء لا غير، وإذا ابتدؤوا، أتوا بهمزة الوصل.
﴿كَمَا﴾ أي: أقول لكم كما ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: (لِلْحَوَارِيِّينَ) بالإمالة بخلاف عنه، والباقون: بالفتح، وقرأ نافع، وأبو جعفر: (أَنْصَارِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها، وأمال فتحة الصاد: الدوري عن الكسائي (٢)، المعنى: مَنِ المختص بي، فيساعدني في نصر دين الله؟.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٨٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٤٠ - ١٤١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٥)، والإمالة في "الكشف" لمكي (١/ ١٧١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٤١).
46
﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ الذين ينصرونه، وتقدم ذكر أسماء الحواريين وتفسير معناهم في سورة (آل عمران).
﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل﴾ بعيسى؛ لأنهم قالوا: عبد الله، فرفع إلى السماء.
﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ لقولهم: هو ابنه وشريكه، فاقتتلت الطائفتان، فظهرت الكافرة على المؤمنة.
﴿فَأَيَّدْنَا﴾ قوينا ونصرنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ ببعث محمد - ﷺ -.
﴿فَأَصْبَحُوا﴾ يعني: المؤمنين ﴿ظَاهِرِينَ﴾ غالبين أعداءهم بتصديق محمد - ﷺ - أن عيسى كلمة الله وروحه، والله أعلم.
47
Icon