تفسير سورة سورة القارعة
محمد الطاهر بن عاشور
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
ابن الفرس
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ)
الناشر
الدار التونسية للنشر
نبذة عن الكتاب
للطاهر بن عاشور (ت: 1393)، واسمه الكامل: (تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد، من تفسير الكتاب المجيد).
وهو تفسير جليل نفيس، صنَّفه مؤلِّفه في أربعين عاماً، وضبطه وأتقنه، وقدَّمه بمقدمات عشـر نافعة، وتميز تفسيره بعدة مزايا منها:
الاهتمام بوجوه البلاغة في القرآن.
بيان وجوه الإعجاز.
وهو تفسير جليل نفيس، صنَّفه مؤلِّفه في أربعين عاماً، وضبطه وأتقنه، وقدَّمه بمقدمات عشـر نافعة، وتميز تفسيره بعدة مزايا منها:
الاهتمام بوجوه البلاغة في القرآن.
بيان وجوه الإعجاز.
- الاهتمام ببيان تناسب اتصال الآي بعضها ببعض.
- إبراز الجانب التربوي في السور.
- بيان معاني المفردات بضبط وتحقيق.
- الحرص على الموازنة والترجيح.
ويؤخذ عليه ذكر بعض الإسرائيليات وإن كان ذلك قليلاً، والاستعانة أحياناً بذكر بعض النقولات من التوراة ليؤيد قوله، وهو وإن كان على عقيدة أهل السُّنَّة لكن وقع في التأويل لبعض الصفات.
يعتبر في الجملة تفسيرا بلاغيا بيانا لغويا عقلانيا لا يغفل المأثور ويهتم بالقراءات. وطريقة مؤلفه فيه أن يذكر مقطعا من السورة ثم يشرع في تفسيره مبتدئا بذكر المناسبة ثم لغويات المقطع ثم التفسير الإجمالي ويتعرض فيه للقراءات والفقهيات وغيرها. وهو يقدم عرضا تفصيليا لما في السورة ويتحدث عن ارتباط آياتها.
يعتبر في الجملة تفسيرا بلاغيا بيانا لغويا عقلانيا لا يغفل المأثور ويهتم بالقراءات. وطريقة مؤلفه فيه أن يذكر مقطعا من السورة ثم يشرع في تفسيره مبتدئا بذكر المناسبة ثم لغويات المقطع ثم التفسير الإجمالي ويتعرض فيه للقراءات والفقهيات وغيرها. وهو يقدم عرضا تفصيليا لما في السورة ويتحدث عن ارتباط آياتها.
مقدمة التفسير
اتفقت المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة على تسمية هذه السورة سورة القارعة ولم يرو شيء في تسميتها من كلام الصحابة والتابعين.
واتفق على أنها مكية.
وعدت الثلاثين في عداد نزول السور نزلت بعد سورة قريش وقبل سورة القيامة.
وآيها عشر في عد أهل المدينة وأهل مكة، وثمان في عد أهل الشام والبصرة، وإحدى عشرة في عد أهل الكوفة.
أغراضها
ذكر فيها إثبات وقوع البعث وما يسبق ذلك من الأهوال.
وإثبات الجزاء على الأعمال وأن أهل الأعمال الصالحة المعتبرة عند الله في نعيم، وأهل الأعمال السيئة التي لا وزن لها عند الله في قعر الجحيم.
واتفق على أنها مكية.
وعدت الثلاثين في عداد نزول السور نزلت بعد سورة قريش وقبل سورة القيامة.
وآيها عشر في عد أهل المدينة وأهل مكة، وثمان في عد أهل الشام والبصرة، وإحدى عشرة في عد أهل الكوفة.
أغراضها
ذكر فيها إثبات وقوع البعث وما يسبق ذلك من الأهوال.
وإثبات الجزاء على الأعمال وأن أهل الأعمال الصالحة المعتبرة عند الله في نعيم، وأهل الأعمال السيئة التي لا وزن لها عند الله في قعر الجحيم.
ﰡ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
١٠١- سُورَةُ الْقَارِعَةِاتَّفَقَتِ الْمَصَاحِفُ وَكُتُبُ التَّفْسِيرِ وَكُتُبُ السُّنَّةِ عَلَى تَسْمِيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ «سُورَةَ الْقَارِعَةِ» وَلَمْ يُرْوَ شَيْءٌ فِي تَسْمِيَتِهَا مِنْ كَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ.
وَاتُّفِقَ عَلَى أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ.
وَعُدَّتِ الثَّلَاثِينَ فِي عِدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ قُرَيْشٍ وَقَبْلَ سُورَةِ الْقِيَامَةِ.
وَآيُهَا عَشْرٌ فِي عَدِّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ مَكَّةَ، وَثَمَانٍ فِي عَدِّ أَهْلِ الشَّامِ وَالْبَصْرَةِ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ فِي عَدِّ أهل الْكُوفَة.
أغراضها
ذُكِرَ فِيهَا إِثْبَاتُ وُقُوعِ الْبَعْثِ وَمَا يَسْبِقُ ذَلِكَ مِنَ الْأَهْوَالِ.
وَإِثْبَاتُ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ وَأَنَّ أَهْلَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَ اللَّهِ فِي نَعِيمٍ، وَأَهْلَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي لَا وَزْنَ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ فِي قَعْر الْجَحِيم.
[١- ٣]
[سُورَة القارعة (١٠١) : الْآيَات ١ إِلَى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣)الِافْتِتَاحُ بِلَفْظِ الْقارِعَةُ افْتِتَاحٌ مَهَوِّلٌ، وَفِيهِ تَشْوِيقٌ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا سَيُخْبَرُ بِهِ.
وَهُوَ مَرْفُوعٌ إِمَّا عَلَى الِابْتِدَاءِ ومَا الْقارِعَةُ خَبره وَيكون هُنَاكَ مُنْتَهَى الْآيَةِ.
— 509 —
فَالْمَعْنَى: الْقَارِعَةُ شَيْءٌ عَظِيمٌ هِيَ. وَهَذَا يَجْرِي عَلَى أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى تَنْتَهِي بِقَوْلِهِ:
مَا الْقارِعَةُ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْقارِعَةُ الْأَوَّلُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وَعُدَّ آيَةً عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَيُقَدَّرَ خَبَرٌ
عَنْهُ مَحْذُوفٌ نَحْوَ: الْقَارِعَةُ قَرِيبَةٌ، أَوْ يُقَدَّرَ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ نَحْوَ أَتَتِ الْقَارِعَةُ، وَيَكُونَ قَوْلُهُ:
مَا الْقارِعَةُ اسْتِئْنَافًا لِلتَّهْوِيلِ، وَجُعِلَ آيَةً ثَانِيَةً عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَعَلَيْهِ فَالسُّورَةُ مُسَمَّطَةٌ مِنْ ثَلَاثِ فَوَاصِلَ فِي أَوَّلِهَا وَثَلَاثٍ فِي آخِرِهَا وَفَاصِلَتَيْنِ وَسَطَهَا.
وَإِعَادَةُ لَفْظِ الْقارِعَةُ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ عَدَلَ عَنْ أَنْ يُقَال: القارعة مَاهِيَّة، لِمَا فِي لَفْظِ الْقَارِعَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ وَالتَّرْوِيعِ، وَإِعَادَةُ لَفْظِ الْمُبْتَدَأِ أَغْنَتْ عَنِ الضَّمِيرِ الرَّابِطِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَجُمْلَةِ الْخَبَرِ.
وَالْقَارِعَةُ: وَصْفٌ مِنَ الْقَرْعِ وَهُوَ ضرب جسم بِآخَرَ بِشِدَّةٍ لَهَا صَوْتٌ. وَأُطْلِقَ الْقَرْعُ مَجَازًا عَلَى الصَّوْتِ الَّذِي يَتَأَثَّرُ بِهِ السَّامِعُ تَأَثُّرَ خَوْفٍ أَوِ اتِّعَاظٍ، يُقَالُ: قَرَعَ فُلَانًا، أَيْ زَجَرَهُ وَعَنَّفَهُ بِصَوْتِ غَضَبٍ. وَفِي الْمَقَامَةِ الْأَوْلَى: «وَيَقْرَعُ الْأَسْمَاعَ بِزَوَاجِرِ وَعْظِهِ».
وَأُطْلِقَتِ الْقارِعَةُ عَلَى الْحَدَثِ الْعَظِيمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَصْوَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ [الرَّعْد: ٣١] وَقِيلَ: تَقُولُ الْعَرَبُ: قَرَعَتِ الْقَوْمَ قَارِعَةٌ، إِذَا نَزَلَ بِهِمْ أَمْرٌ فَظِيعٌ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِيمَا رَأَيْتُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَبْلَ الْقُرْآنِ.
وَتَأْنِيثُ الْقارِعَةُ لِتَأْوِيلِهَا بِالْحَادِثَةِ أَوِ الْكَائِنَةِ.
ومَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّهْوِيلِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ الْمُرَكَّبِ لِأَنَّ هَوْلَ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ تَسَاؤُلَ النَّاسِ عَنْهُ.
فَ الْقارِعَةُ هَنَا مُرَادٌ بِهَا حَادِثَةٌ عَظِيمَةٌ. وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحَادِثَةَ هِيَ الْحَشْرُ فَجَعَلُوا الْقَارِعَةَ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْحَشْرِ مِثْلَ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: أُرِيدَ بِهَا صَيْحَةُ النَّفْخَةِ فِي الصُّوَرِ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ: الْقَارِعَةُ النَّارُ ذَاتُ الزَّفِيرِ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهَا اسْمُ جَهَنَّمَ.
مَا الْقارِعَةُ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْقارِعَةُ الْأَوَّلُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وَعُدَّ آيَةً عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَيُقَدَّرَ خَبَرٌ
عَنْهُ مَحْذُوفٌ نَحْوَ: الْقَارِعَةُ قَرِيبَةٌ، أَوْ يُقَدَّرَ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ نَحْوَ أَتَتِ الْقَارِعَةُ، وَيَكُونَ قَوْلُهُ:
مَا الْقارِعَةُ اسْتِئْنَافًا لِلتَّهْوِيلِ، وَجُعِلَ آيَةً ثَانِيَةً عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَعَلَيْهِ فَالسُّورَةُ مُسَمَّطَةٌ مِنْ ثَلَاثِ فَوَاصِلَ فِي أَوَّلِهَا وَثَلَاثٍ فِي آخِرِهَا وَفَاصِلَتَيْنِ وَسَطَهَا.
وَإِعَادَةُ لَفْظِ الْقارِعَةُ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ عَدَلَ عَنْ أَنْ يُقَال: القارعة مَاهِيَّة، لِمَا فِي لَفْظِ الْقَارِعَةِ مِنَ التَّهْوِيلِ وَالتَّرْوِيعِ، وَإِعَادَةُ لَفْظِ الْمُبْتَدَأِ أَغْنَتْ عَنِ الضَّمِيرِ الرَّابِطِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَجُمْلَةِ الْخَبَرِ.
وَالْقَارِعَةُ: وَصْفٌ مِنَ الْقَرْعِ وَهُوَ ضرب جسم بِآخَرَ بِشِدَّةٍ لَهَا صَوْتٌ. وَأُطْلِقَ الْقَرْعُ مَجَازًا عَلَى الصَّوْتِ الَّذِي يَتَأَثَّرُ بِهِ السَّامِعُ تَأَثُّرَ خَوْفٍ أَوِ اتِّعَاظٍ، يُقَالُ: قَرَعَ فُلَانًا، أَيْ زَجَرَهُ وَعَنَّفَهُ بِصَوْتِ غَضَبٍ. وَفِي الْمَقَامَةِ الْأَوْلَى: «وَيَقْرَعُ الْأَسْمَاعَ بِزَوَاجِرِ وَعْظِهِ».
وَأُطْلِقَتِ الْقارِعَةُ عَلَى الْحَدَثِ الْعَظِيمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَصْوَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ [الرَّعْد: ٣١] وَقِيلَ: تَقُولُ الْعَرَبُ: قَرَعَتِ الْقَوْمَ قَارِعَةٌ، إِذَا نَزَلَ بِهِمْ أَمْرٌ فَظِيعٌ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِيمَا رَأَيْتُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَبْلَ الْقُرْآنِ.
وَتَأْنِيثُ الْقارِعَةُ لِتَأْوِيلِهَا بِالْحَادِثَةِ أَوِ الْكَائِنَةِ.
ومَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّهْوِيلِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ الْمُرَكَّبِ لِأَنَّ هَوْلَ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ تَسَاؤُلَ النَّاسِ عَنْهُ.
فَ الْقارِعَةُ هَنَا مُرَادٌ بِهَا حَادِثَةٌ عَظِيمَةٌ. وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحَادِثَةَ هِيَ الْحَشْرُ فَجَعَلُوا الْقَارِعَةَ مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْحَشْرِ مِثْلَ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: أُرِيدَ بِهَا صَيْحَةُ النَّفْخَةِ فِي الصُّوَرِ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ: الْقَارِعَةُ النَّارُ ذَاتُ الزَّفِيرِ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهَا اسْمُ جَهَنَّمَ.
— 510 —
وَهَذَا التَّرْكِيبُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: ١- ٣] وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَمَعْنَى وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ زِيَادَةُ تَهْوِيلِ أَمْرِ الْقَارِعَةِ وَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ صَادِقَةٌ عَلَى شَخْصٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَأَيُّ شَخْصٍ أَدْرَاكَ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي تَعْظِيمِ حَقِيقَتِهَا وَهَوْلِهَا لِأَنَّ هَوْلَ الْأَمْرِ يَسْتَلْزِمُ الْبَحْثَ عَنْ تَعَرُّفِهِ. وَأَدْرَاكَ: بِمَعْنَى أَعْلَمَكَ.
ومَا الْقارِعَةُ اسْتِفْهَامٌ آخَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ، أَيْ مَا أَدْرَاكَ جَوَابَ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ. وَسَدَّ الِاسْتِفْهَامُ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ أَدْراكَ
وَجُمْلَةُ: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ مَا الْقارِعَةُ وَالْخِطَابُ فِي أَدْراكَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَيْ وَمَا أَدْرَاكَ أَيُّهَا السَّامِعُ.
وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: ١- ٣] وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ فِي سُورَة الانفطار [١٧].
[٤، ٥]
[سُورَة القارعة (١٠١) : الْآيَات ٤ إِلَى ٥]
يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)
يَوْمَ مَفْعُولٌ فِيهِ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ وَصْفُ الْقَارِعَةِ لِأَنَّهُ فِي تَقْدِيرِ:
تَقْرَعُ، أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ كُلُّهُ فَيُقَدَّرُ: تَكُونُ، أَوْ تَحْصُلُ، يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ.
وَجُمْلَةُ: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ مَعَ مُتَعَلِّقِهَا الْمَحْذُوفِ بَيَان للإبهامين اللَّذين فِي قَوْلِهِ:
مَا الْقارِعَةُ [القارعة: ٢] وَقَوْلِهِ: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ [القارعة: ٣].
وَلَيْسَ قَوْلُهُ: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ خَبَرًا عَنِ الْقارِعَةُ إِذْ لَيْسَ سِيَاقُ الْكَلَامِ لِتَعْيِينِ يَوْمِ وُقُوعِ الْقَارِعَةِ.
وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا التَّوْقِيتِ زِيَادَةُ التَّهْوِيلِ بِمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ يَوْمَ مِنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُفِيدَتَيْنِ أَحْوَالًا هَائِلَةً، إِلَّا أَنَّ شَأْنَ التَّوْقِيتِ أَنْ يَكُونَ بِزَمَانٍ مَعْلُومٍ، وَإِذْ قَدْ كَانَ هَذَا الْحَالُ الْمُوَقَّتُ بِزَمَانِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ مَدَاهُ. كَانَ التَّوْقِيتُ لَهُ إِطْمَاعًا فِي تَعْيِينِ وَقْتِ
وَمَعْنَى وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ زِيَادَةُ تَهْوِيلِ أَمْرِ الْقَارِعَةِ وَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ صَادِقَةٌ عَلَى شَخْصٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَأَيُّ شَخْصٍ أَدْرَاكَ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي تَعْظِيمِ حَقِيقَتِهَا وَهَوْلِهَا لِأَنَّ هَوْلَ الْأَمْرِ يَسْتَلْزِمُ الْبَحْثَ عَنْ تَعَرُّفِهِ. وَأَدْرَاكَ: بِمَعْنَى أَعْلَمَكَ.
ومَا الْقارِعَةُ اسْتِفْهَامٌ آخَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ، أَيْ مَا أَدْرَاكَ جَوَابَ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ. وَسَدَّ الِاسْتِفْهَامُ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ أَدْراكَ
وَجُمْلَةُ: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ مَا الْقارِعَةُ وَالْخِطَابُ فِي أَدْراكَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أَيْ وَمَا أَدْرَاكَ أَيُّهَا السَّامِعُ.
وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الْحَاقَّةُ: ١- ٣] وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ فِي سُورَة الانفطار [١٧].
[٤، ٥]
[سُورَة القارعة (١٠١) : الْآيَات ٤ إِلَى ٥]
يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)
يَوْمَ مَفْعُولٌ فِيهِ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ وَصْفُ الْقَارِعَةِ لِأَنَّهُ فِي تَقْدِيرِ:
تَقْرَعُ، أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ كُلُّهُ فَيُقَدَّرُ: تَكُونُ، أَوْ تَحْصُلُ، يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ.
وَجُمْلَةُ: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ مَعَ مُتَعَلِّقِهَا الْمَحْذُوفِ بَيَان للإبهامين اللَّذين فِي قَوْلِهِ:
مَا الْقارِعَةُ [القارعة: ٢] وَقَوْلِهِ: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ [القارعة: ٣].
وَلَيْسَ قَوْلُهُ: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ خَبَرًا عَنِ الْقارِعَةُ إِذْ لَيْسَ سِيَاقُ الْكَلَامِ لِتَعْيِينِ يَوْمِ وُقُوعِ الْقَارِعَةِ.
وَالْمَقْصُودُ بِهَذَا التَّوْقِيتِ زِيَادَةُ التَّهْوِيلِ بِمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ يَوْمَ مِنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُفِيدَتَيْنِ أَحْوَالًا هَائِلَةً، إِلَّا أَنَّ شَأْنَ التَّوْقِيتِ أَنْ يَكُونَ بِزَمَانٍ مَعْلُومٍ، وَإِذْ قَدْ كَانَ هَذَا الْحَالُ الْمُوَقَّتُ بِزَمَانِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ مَدَاهُ. كَانَ التَّوْقِيتُ لَهُ إِطْمَاعًا فِي تَعْيِينِ وَقْتِ
— 511 —
حُصُولِهِ إِذْ كَانُوا يَسْأَلُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ، ثُمَّ تَوْقِيتُهُ بِمَا هُوَ مَجْهُولٌ لَهُمْ إِبْهَامًا آخَرَ لِلتَّهْوِيلِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُفَاجَأَتِهِ، وَأُبْرِزَ فِي صُورَةِ التَّوْقِيتِ لِلتَّشْوِيقِ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ تَقْدِيرِهِ، فَإِذَا بَاءَ الْبَاحِثُ بِالْعَجْزِ عَنْ أَخْذٍ بِحِيطَةِ الِاسْتِعْدَادِ لِحُلُولِهِ بِمَا يُنْجِيهِ مِنْ مَصَائِبِهِ الَّتِي قُرِعَتْ بِهِ الْأَسْمَاعُ فِي آيٍ كَثِيرَةٍ.
فَحَصَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَهْوِيلٌ شَدِيدٌ بِثَمَانِيَةِ طُرُقٍ: وَهِيَ الِابْتِدَاءُ بِاسْمِ الْقَارِعَةِ، الْمُؤْذِنِ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَالِاسْتِفْهَامُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي التَّهْوِيلِ، وَالْإِظْهَارُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، والاستفهام عَمَّا ينبىء بِكُنْهِ الْقَارِعَةِ، وَتَوْجِيهُ الْخِطَابِ إِلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَالْإِظْهَارُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ ثَانِيَ مَرَّةٍ، وَالتَّوْقِيتُ بِزَمَانٍ مَجْهُولٍ حُصُولِهِ وَتَعْرِيفُ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِأَحْوَالٍ مَهُولَةٍ.
وَالْفَرَاشُ: فَرْخُ الْجَرَادِ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْضِهِ مِنَ الْأَرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَهُوَ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [الْقَمَر: ٧]. وَقَدْ يُطْلَقُ الْفَرَاشُ عَلَى مَا يَطِيرُ مِنَ الْحَشَرَاتِ وَيَتَسَاقَطُ عَلَى النَّارِ لَيْلًا وَهُوَ إِطْلَاقٌ آخَرُ لَا يُنَاسِبُ تَفْسِيرَ لَفْظِ
الْآيَةِ هُنَا بِهِ.
والْمَبْثُوثِ: الْمُتَفَرِّقُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
وَجُمْلَةُ: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَجُمْلَةِ: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ [القارعة: ٦] إِلَخْ. وَهُوَ إِدْمَاجٌ لِزِيَادَةِ التَّهْوِيلِ.
وَوَجْهُ الشَّبَهِ كَثْرَةُ الِاكْتِظَاظِ عَلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ.
وَالْعِهْنُ: الصُّوفُ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْمَصْبُوغِ الْأَحْمَرِ، أَوْ ذِي الْأَلْوَانِ، كَمَا فِي قَوْلِ زُهَيْرٍ:
لِأَنَّ الْجِبَالَ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ بِحِجَارَتِهَا وَنَبْتِهَا قَالَ تَعَالَى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها [فاطر: ٢٧].
وَالْمَنْفُوشُ: الْمُفَرَّقُ بَعْضُ أَجْزَائِهِ عَنْ بَعْضٍ لِيُغْزَلَ أَوْ تُحْشَى بِهِ الْحَشَايَا، وَوَجْهُ
فَحَصَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَهْوِيلٌ شَدِيدٌ بِثَمَانِيَةِ طُرُقٍ: وَهِيَ الِابْتِدَاءُ بِاسْمِ الْقَارِعَةِ، الْمُؤْذِنِ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَالِاسْتِفْهَامُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي التَّهْوِيلِ، وَالْإِظْهَارُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، والاستفهام عَمَّا ينبىء بِكُنْهِ الْقَارِعَةِ، وَتَوْجِيهُ الْخِطَابِ إِلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَالْإِظْهَارُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ ثَانِيَ مَرَّةٍ، وَالتَّوْقِيتُ بِزَمَانٍ مَجْهُولٍ حُصُولِهِ وَتَعْرِيفُ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِأَحْوَالٍ مَهُولَةٍ.
وَالْفَرَاشُ: فَرْخُ الْجَرَادِ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْضِهِ مِنَ الْأَرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَهُوَ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [الْقَمَر: ٧]. وَقَدْ يُطْلَقُ الْفَرَاشُ عَلَى مَا يَطِيرُ مِنَ الْحَشَرَاتِ وَيَتَسَاقَطُ عَلَى النَّارِ لَيْلًا وَهُوَ إِطْلَاقٌ آخَرُ لَا يُنَاسِبُ تَفْسِيرَ لَفْظِ
الْآيَةِ هُنَا بِهِ.
والْمَبْثُوثِ: الْمُتَفَرِّقُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
وَجُمْلَةُ: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَجُمْلَةِ: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ [القارعة: ٦] إِلَخْ. وَهُوَ إِدْمَاجٌ لِزِيَادَةِ التَّهْوِيلِ.
وَوَجْهُ الشَّبَهِ كَثْرَةُ الِاكْتِظَاظِ عَلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ.
وَالْعِهْنُ: الصُّوفُ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْمَصْبُوغِ الْأَحْمَرِ، أَوْ ذِي الْأَلْوَانِ، كَمَا فِي قَوْلِ زُهَيْرٍ:
| كَأَنَّ فُتَاتَ الْعِهْنِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ | نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الْفَنَا لَمْ يُحَطَّمِ |
وَالْمَنْفُوشُ: الْمُفَرَّقُ بَعْضُ أَجْزَائِهِ عَنْ بَعْضٍ لِيُغْزَلَ أَوْ تُحْشَى بِهِ الْحَشَايَا، وَوَجْهُ
— 512 —
الشَّبَهِ تَفَرُّقُ الْأَجْزَاءِ لِأَنَّ الْجِبَالَ تَنْدَكُّ بِالزَّلَازِلِ وَنَحْوِهَا فَتَتَفَرَّقُ أَجْزَاءً.
وَإِعَادَةُ كَلِمَةِ تَكُونُ مَعَ حَرْفِ الْعَطْفِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى اخْتِلَافِ الْكَوْنَيْنِ فَإِنَّ أَوَّلَهُمَا كَوْنُ إِيجَادٍ، وَالثَّانِيَ كَوْنُ اضْمِحْلَالٍ، وَكِلَاهُمَا عَلَامَةٌ عَلَى زَوَالِ عَالَمٍ وَظُهُورِ عَالَمٍ آخَرَ.
وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ فِي سُورَة المعارج [٩].
[٦- ١١]
[سُورَة القارعة (١٠١) : الْآيَات ٦ إِلَى ١١]
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ (١٠)
نارٌ حامِيَةٌ (١١)
تَفْصِيلٌ لِمَا فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة: ٤] مِنْ إِجْمَالِ حَالِ النَّاسِ حِينَئِذٍ، فَذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِذِكْرِ اسْمِ النَّاسِ الشَّامِلِ لِأَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَهْلِ الشَّقَاءِ فَلِذَلِكَ كَانَ تَفْصِيلُهُ بِحَالَيْنِ: حَالٍ حَسَنٍ وَحَالٍ فَظِيعٍ.
وَثِقَلُ الْمَوَازِينِ كِنَايَةٌ عَنْ كَونه بِمحل الرضى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِكَثْرَةِ حَسَنَاتِهِ، لِأَنَّ ثِقَلَ الْمِيزَانِ يَسْتَلْزِمُ ثِقْلَ الْمَوْزُونِ وَإِنَّمَا تُوزَنُ الْأَشْيَاءُ الْمَرْغُوبُ فِي اقْتِنَائِهَا، وَقَدْ شَاعَ عِنْدَ الْعَرَبِ الْكِنَايَةُ عَنِ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ وَأَصَالَةِ الرَّأْيِ بِالْوَزْنِ وَنَحْوِهِ، وَبِضِدِّ ذَلِكَ يَقُولُونَ:
فُلَانٌ لَا يُقَامُ لَهُ وَزْنٌ، قَالَ تَعَالَى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً [الْكَهْف: ١٠٥]، وَقَالَ النَّابِغَةُ:
وَمِيزَانُهُ فِي سُورَةِ الْمَجْدِ مَاتِعٌ أَيْ رَاجِحٌ وَهَذَا مُتَبَادِرٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَرِّحْ فِي الْآيَةِ بِذِكْرِ مَا يُثَقِّلُ الْمَوَازِينَ لِظُهُورِ أَنَّهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ.
وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الْمِيزَانِ لِلْأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْعَوَاصِمِ» : لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِي الْمِيزَانِ. وَالْمَقْصُودُ عَدَمُ فَوَاتِ شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِآلَةٍ أَوْ بِعَمَلِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِعَادَةُ كَلِمَةِ تَكُونُ مَعَ حَرْفِ الْعَطْفِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى اخْتِلَافِ الْكَوْنَيْنِ فَإِنَّ أَوَّلَهُمَا كَوْنُ إِيجَادٍ، وَالثَّانِيَ كَوْنُ اضْمِحْلَالٍ، وَكِلَاهُمَا عَلَامَةٌ عَلَى زَوَالِ عَالَمٍ وَظُهُورِ عَالَمٍ آخَرَ.
وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ فِي سُورَة المعارج [٩].
[٦- ١١]
[سُورَة القارعة (١٠١) : الْآيَات ٦ إِلَى ١١]
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ (١٠)
نارٌ حامِيَةٌ (١١)
تَفْصِيلٌ لِمَا فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة: ٤] مِنْ إِجْمَالِ حَالِ النَّاسِ حِينَئِذٍ، فَذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِذِكْرِ اسْمِ النَّاسِ الشَّامِلِ لِأَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَهْلِ الشَّقَاءِ فَلِذَلِكَ كَانَ تَفْصِيلُهُ بِحَالَيْنِ: حَالٍ حَسَنٍ وَحَالٍ فَظِيعٍ.
وَثِقَلُ الْمَوَازِينِ كِنَايَةٌ عَنْ كَونه بِمحل الرضى مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِكَثْرَةِ حَسَنَاتِهِ، لِأَنَّ ثِقَلَ الْمِيزَانِ يَسْتَلْزِمُ ثِقْلَ الْمَوْزُونِ وَإِنَّمَا تُوزَنُ الْأَشْيَاءُ الْمَرْغُوبُ فِي اقْتِنَائِهَا، وَقَدْ شَاعَ عِنْدَ الْعَرَبِ الْكِنَايَةُ عَنِ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ وَأَصَالَةِ الرَّأْيِ بِالْوَزْنِ وَنَحْوِهِ، وَبِضِدِّ ذَلِكَ يَقُولُونَ:
فُلَانٌ لَا يُقَامُ لَهُ وَزْنٌ، قَالَ تَعَالَى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً [الْكَهْف: ١٠٥]، وَقَالَ النَّابِغَةُ:
وَمِيزَانُهُ فِي سُورَةِ الْمَجْدِ مَاتِعٌ أَيْ رَاجِحٌ وَهَذَا مُتَبَادِرٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَرِّحْ فِي الْآيَةِ بِذِكْرِ مَا يُثَقِّلُ الْمَوَازِينَ لِظُهُورِ أَنَّهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ.
وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الْمِيزَانِ لِلْأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «الْعَوَاصِمِ» : لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِي الْمِيزَانِ. وَالْمَقْصُودُ عَدَمُ فَوَاتِ شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِآلَةٍ أَوْ بِعَمَلِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
— 513 —
وَالْعِيشَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ الْعَيْشِ كَالْخِيفَةِ اسْمٌ لِلْخَوْفِ. أَيْ فِي حَيَاةٍ.
وَوَصْفُ الْحَيَاةِ بِ راضِيَةٍ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لِأَنَّ الرَّاضِيَ صَاحِبَهَا رَاضٍ بِهَا فَوُصِفَتْ بِهِ الْعِيشَةُ لِأَنَّهَا سَبَبُ الرِّضَى أَوْ زَمَانُ الرِّضَى.
وَقَوْلُهُ: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ إِخْبَارٌ عَنْهُ بِالشَّقَاءِ وَسُوءِ الْحَالِ، فَالْأُمُّ هَنَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً فِي حَقِيقَتِهَا. وَهَاوِيَةٌ: هَالِكَةٌ، وَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ لِحَالِ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَئِذٍ بِحَالِ الْهَالِكِ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ الْعَرَبَ يُكَنُّونَ عَنْ حَالِ الْمَرْءِ بِحَالِ أُمِّهِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهَا ابْنَهَا فَهِيَ أَشَدُّ سُرُورًا بِسُرُورِهِ وَأَشَدُّ حُزْنًا بِمَا يُحْزِنُهُ. صَلَّى أَعْرَابِيٌّ وَرَاءَ إِمَامٍ فَقَرَأَ الْإِمَامُ:
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النِّسَاء: ١٢٥] فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: «لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ» وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ زَيَّابَةَ حِينَ تَهَدَّدَهُ الْحَارِثُ بْنُ هَمَّامٍ الشَّيْبَانِيُّ:
وَيَقُولُونَ فِي الشَّرِّ: هَوَتْ أُمُّهُ، أَيْ أَصَابَهُ مَا تَهْلَكُ بِهِ أُمُّهُ، وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ: ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ، فِي الدُّعَاءِ، وَمِنْهُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّعَجُّبِ وَأَصْلُهُ الدُّعَاءُ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الْغَنَوِيِّ فِي رِثَاءِ أَخِيهِ أَبِي الْمِغْوَارِ:
أَيْ مَاذَا يَبْعَثُ الصُّبْحُ مِنْهُ غَادِيًا وَمَا يَرُدُّ اللَّيْل حِين يؤوب غَانِمًا، وَحُذِفَ مِنْهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ اعْتِمَادًا عَلَى قَرِينَةِ رَفْعِ الصُّبْحِ وَاللَّيْلِ وَذكر: غاديا ويؤوب وَ (مِنَ) الْمُقَدَّرَةُ تَجْرِيدِيَّةٌ فَالْكَلَامُ عَلَى التَّجْرِيدِ مِثْلَ: لَقِيتُ مِنْهُ أَسَدًا.
فَاسْتُعْمِلَ الْمُرَكَّبُ الَّذِي يُقَالُ عِنْدَ حَالِ الْهَلَاكِ وَسُوءِ الْمصير فِي الْحَالة الْمُشَبَّهَةِ بِحَالِ الْهَلَاكِ، وَرَمَزَ إِلَى التَّشْبِيهِ بِذَلِكَ الْمُرَكَّبِ، كَمَا تُضْرَبُ الْأَمْثَالُ السَّائِرَةُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «أُمُّهُ» مُسْتَعَارًا لِمَقَرِّهِ وَمَآلِهِ لِأَنَّهُ يَأْوِي إِلَيْهِ كَمَا يَأْوِي الطِّفْلُ إِلَى أُمِّهِ.
وهاوِيَةٌ الْمَكَانُ الْمُنْخَفِضُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ الَّذِي إِذَا سَقَطَ فِيهِ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ هَلَكَ، يُقَالُ: سَقَطَ فِي الْهَاوِيَةِ.
وَأُرِيدَ بِهَا جَهَنَّمُ، وَقِيلَ: هِيَ اسْمٌ لِجَهَنَّمَ، أَيْ فَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ.
وَوَصْفُ الْحَيَاةِ بِ راضِيَةٍ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لِأَنَّ الرَّاضِيَ صَاحِبَهَا رَاضٍ بِهَا فَوُصِفَتْ بِهِ الْعِيشَةُ لِأَنَّهَا سَبَبُ الرِّضَى أَوْ زَمَانُ الرِّضَى.
وَقَوْلُهُ: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ إِخْبَارٌ عَنْهُ بِالشَّقَاءِ وَسُوءِ الْحَالِ، فَالْأُمُّ هَنَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً فِي حَقِيقَتِهَا. وَهَاوِيَةٌ: هَالِكَةٌ، وَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ لِحَالِ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَئِذٍ بِحَالِ الْهَالِكِ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ الْعَرَبَ يُكَنُّونَ عَنْ حَالِ الْمَرْءِ بِحَالِ أُمِّهِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهَا ابْنَهَا فَهِيَ أَشَدُّ سُرُورًا بِسُرُورِهِ وَأَشَدُّ حُزْنًا بِمَا يُحْزِنُهُ. صَلَّى أَعْرَابِيٌّ وَرَاءَ إِمَامٍ فَقَرَأَ الْإِمَامُ:
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النِّسَاء: ١٢٥] فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: «لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ» وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ زَيَّابَةَ حِينَ تَهَدَّدَهُ الْحَارِثُ بْنُ هَمَّامٍ الشَّيْبَانِيُّ:
| يَا لَهْفَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ الصَّا | بَحِ فَالْغَانِمِ فَالْآيِبِ |
| هَوَتْ أُمُّهُ مَا يَبْعَثُ الصُّبْحُ غَادِيًا | وَمَاذَا يَرُدُّ اللَّيْل حِين يؤوب |
فَاسْتُعْمِلَ الْمُرَكَّبُ الَّذِي يُقَالُ عِنْدَ حَالِ الْهَلَاكِ وَسُوءِ الْمصير فِي الْحَالة الْمُشَبَّهَةِ بِحَالِ الْهَلَاكِ، وَرَمَزَ إِلَى التَّشْبِيهِ بِذَلِكَ الْمُرَكَّبِ، كَمَا تُضْرَبُ الْأَمْثَالُ السَّائِرَةُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «أُمُّهُ» مُسْتَعَارًا لِمَقَرِّهِ وَمَآلِهِ لِأَنَّهُ يَأْوِي إِلَيْهِ كَمَا يَأْوِي الطِّفْلُ إِلَى أُمِّهِ.
وهاوِيَةٌ الْمَكَانُ الْمُنْخَفِضُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ الَّذِي إِذَا سَقَطَ فِيهِ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ هَلَكَ، يُقَالُ: سَقَطَ فِي الْهَاوِيَةِ.
وَأُرِيدَ بِهَا جَهَنَّمُ، وَقِيلَ: هِيَ اسْمٌ لِجَهَنَّمَ، أَيْ فَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ.
— 514 —
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «أُمُّهُ» عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ أم رَأسه، وَهِي أَعلَى الدِّمَاغ، وهاوِيَةٌ سَاقِطَة من قَوْلهم سقط على أُمُّ رَأْسِهِ، أَيْ هَلَكَ.
وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ: تَهْوِيلٌ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
وَضَمِيرُ هِيَهْ عَائِدٌ إِلَى هاوِيَةٌ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَكُونُ فِي الضَّمِيرِ اسْتِخْدَامٌ، إِذْ مُعَادُ الضَّمِيرِ وَصْفُ هَالِكَةٍ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ اسْمُ جَهَنَّمَ كَمَا فِي قَوْلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكٍ الْمُلَقَّبِ مُعَوِّذَ الْحُكَمَاءِ:
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي يَعُودُ الضَّمِيرُ إِلَى (هَاوِيَةٌ) وَفُسِّرَتْ بِأَنَّهَا قَعْرُ جَهَنَّمَ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ يَكُونُ فِي هِيَهْ اسْتِخْدَامٌ أَيْضًا كَالْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَالْهَاءُ الَّتِي لَحِقَتْ يَاءَ (هِيَ) هَاءُ السَّكْتِ، وَهِي هَاءٌ تُجْلَبُ لِأَجْلِ تَخْفِيفِ اللَّفْظِ عِنْدَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ، فَمِنْهُ تَخْفِيفٌ وَاجِبٌ تُجْلَبُ لَهُ هَاءُ السَّكْتِ لُزُومًا، وَبَعْضُهُ حَسَنٌ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ وَذَلِكَ فِي كُلِّ اسْمٍ أَوْ حَرْفٍ بِآخِرِهِ حَرَكَةُ بِنَاءٍ دَائِمَةٌ مِثْلَ: هُوَ، وَهِيَ، وَكَيْفَ، وَثُمَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ فِي سُورَةِ الْحَاقَّةِ [١٩].
وَجُمْهُورُ الْقُرَّاءِ أَثْبَتُوا النُّطْقَ بِهَذِهِ الْهَاءِ فِي حَالَتَيِ الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَخَلَفٌ بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ فِي الْوَقْفِ وَحَذْفِهَا فِي الْوَصْلِ.
وَجُمْلَةُ: نارٌ حامِيَةٌ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ: وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ، وَالْمَعْنَى: هِيَ نَارٌ حَامِيَةٌ.
وَهَذَا مِنْ حَذْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ الَّذِي اتُّبِعَ فِي حَذْفِهِ اسْتِعْمَالُ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَوَصْفُ نارٌ بِ حامِيَةٌ مِنْ قَبِيلِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِأَنَّ النَّارَ لَا تَخْلُو عَنِ الْحَمْيِ فوصفها بِهِ وصف بِمَا هُوَ من مَعْنَى لَفْظِ نارٌ فَكَانَ كَذِكْرِ الْمُرَادِفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ [الْهمزَة: ٦].
وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ: تَهْوِيلٌ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا.
وَضَمِيرُ هِيَهْ عَائِدٌ إِلَى هاوِيَةٌ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَكُونُ فِي الضَّمِيرِ اسْتِخْدَامٌ، إِذْ مُعَادُ الضَّمِيرِ وَصْفُ هَالِكَةٍ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ اسْمُ جَهَنَّمَ كَمَا فِي قَوْلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَالِكٍ الْمُلَقَّبِ مُعَوِّذَ الْحُكَمَاءِ:
| إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ | رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا |
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ يَكُونُ فِي هِيَهْ اسْتِخْدَامٌ أَيْضًا كَالْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَالْهَاءُ الَّتِي لَحِقَتْ يَاءَ (هِيَ) هَاءُ السَّكْتِ، وَهِي هَاءٌ تُجْلَبُ لِأَجْلِ تَخْفِيفِ اللَّفْظِ عِنْدَ الْوَقْفِ عَلَيْهِ، فَمِنْهُ تَخْفِيفٌ وَاجِبٌ تُجْلَبُ لَهُ هَاءُ السَّكْتِ لُزُومًا، وَبَعْضُهُ حَسَنٌ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ وَذَلِكَ فِي كُلِّ اسْمٍ أَوْ حَرْفٍ بِآخِرِهِ حَرَكَةُ بِنَاءٍ دَائِمَةٌ مِثْلَ: هُوَ، وَهِيَ، وَكَيْفَ، وَثُمَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ فِي سُورَةِ الْحَاقَّةِ [١٩].
وَجُمْهُورُ الْقُرَّاءِ أَثْبَتُوا النُّطْقَ بِهَذِهِ الْهَاءِ فِي حَالَتَيِ الْوَقْفِ وَالْوَصْلِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَخَلَفٌ بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ فِي الْوَقْفِ وَحَذْفِهَا فِي الْوَصْلِ.
وَجُمْلَةُ: نارٌ حامِيَةٌ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ: وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ، وَالْمَعْنَى: هِيَ نَارٌ حَامِيَةٌ.
وَهَذَا مِنْ حَذْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ الَّذِي اتُّبِعَ فِي حَذْفِهِ اسْتِعْمَالُ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَوَصْفُ نارٌ بِ حامِيَةٌ مِنْ قَبِيلِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِأَنَّ النَّارَ لَا تَخْلُو عَنِ الْحَمْيِ فوصفها بِهِ وصف بِمَا هُوَ من مَعْنَى لَفْظِ نارٌ فَكَانَ كَذِكْرِ الْمُرَادِفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ [الْهمزَة: ٦].
— 515 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
١٠٢- سُورَةُ التَّكَاثُرِقَالَ الْآلُوسِيُّ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَمُّونَهَا «الْمَقْبَرَةَ» اهـ.
وَسُمِّيَتْ فِي مُعْظَمِ الْمَصَاحِفِ وَمُعْظَمِ التَّفَاسِيرِ «سُورَةَ التَّكَاثُرِ» وَكَذَلِكَ عَنْوَنَهَا التِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ» وَهِيَ كَذَلِكَ مُعَنْوَنَةٌ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ الْعَتِيقَةِ بِالْقَيْرَوَانِ. وَسُمِّيَتْ فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ «سُورَةَ أَلْهَاكُمْ» وَكَذَلِكَ تَرْجَمَهَا الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ «صَحِيحِهِ».
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هِيَ مَكِّيَّةٌ لَا أَعْلَمُ فِيهَا خِلَافًا.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مُفَاخَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِي سَهْمٍ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا وَكَانُوا مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ وَلِأَنَّ قُبُورَ أَسْلَافِهِمْ بِمَكَّةَ.
وَفِي «الْإِتْقَانِ» : الْمُخْتَارُ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ. قَالَ: وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ تَفَاخَرُوا،
وَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ وَلنْ يمْلَأ فَاه إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ»
. قَالَ أُبَيٌّ: كُنَّا نرى هَذَا فِي الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ [التَّكَاثُرُ: ١] اهـ. يُرِيدُ الْمُسْتَدِلُّ بِهَذَا أَنَّ أُبَيًّا أَنْصَارِيٌ وَأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: حَتَّى نَزَلَتْ:
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ، أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَعُدُّونَ: «لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ إِلَخْ مِنَ الْقُرْآنِ» وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أُبَيٍّ دَلِيلٌ نَاهِضٌ إِذْ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِضَمِيرِ (كُنَّا) الْمُسْلِمِينَ، أَيْ كَانَ مَنْ سَبْقَ مِنْهُمْ يَعُدُّ ذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ التَّكَاثُرِ وَبَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ.
— 517 —
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
3 مقطع من التفسير