تفسير سورة سورة التكاثر
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي
التفسير الوسيط
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي (ت 1436 هـ)
الناشر
دار الفكر - دمشق
الطبعة
الأولى
نبذة عن الكتاب
يقول الدكتور وهبة الزحيلي:
«والتفسير الوسيط هذا هو الأحاديث الإذاعية التي سجّلتها، وأذيعت في الإذاعة السورية العامة، ثم في إذاعة صوت الشعب....»
وللدكتور المؤلف - حفظه الله - ثلاثة تفاسير (المنير، الوسيط، الوجيز) .. يقول عنها:
- تتفق التفاسير الثلاثة في بيان مدلول الآيات بدقة وشمول، وأسلوب مبسط ميسّر، وفي معرفة أسباب نزول الآيات الصحيحة الثابتة، والاستشهاد ببعض الآيات والأحاديث الصحيحة، المناسبة في موضوعها ومغزاها مع الآية المفسّرة، وفي البعد عن القصص والرّوايات الإسرائيليّة التي لا يخلو منها تفسير قديم، وفي التزام أصول التفسير بالمأثور والمعقول معا، وبالاعتماد على أمهات كتب التفسير الكبرى، بمختلف مناهجها.
- وينفرد (التفسير المنير) ببيان أوسع وأجلى للآيات، وبالتعرف على مضامين كل سورة في بدء تفسيرها في الجملة، وعلى فضائل السّور القرآنية مما يصح من أخبارها، واستبعاد الموضوع والضعيف، وعلى مناسبات السّور القرآنية والآيات بعضها مع بعض، وعلى تفصيل وتحقيق القصص والأحداث التاريخية القديمة، ووقائع السّيرة النّبوية، واستنباط الأحكام الشّرعية بالمعنى الواسع للحكم بحيث يشمل العقيدة والعبادة، والأخلاق والآداب، والعبر والعظات، ونظام الحياة والمعاملات، وأصول الحياة الإسلامية العامة. كما يمتاز ببيان المفردات اللغوية بيانا كافيا شافيا، وبمعرفة وجوه البلاغة والإعراب، وكل ذلك مع تعقيبات وملاحظات ومقارنات وتنويه بالمعجزات، والإعجاز العلمي للقرآن الكريم بحسب تقدم العلوم العصرية.
- ويقتصر (التفسير الوجيز) على بيان المقصود بكل آية، بعبارة شاملة غير مخلّة بالمعنى المراد، ولا مبتورة، ومن غير استطراد ولا تطويل، وشرح بعض الكلمات الغامضة غموضا شديدا، وبيان أسباب النزول مع كل آية أثناء شرحها.
- وأما (التفسير الوسيط) هذا، فقد يزاد فيه تفسير بعض الآيات عما هو مذكور في (التفسير المنير) ، ويشتمل على إيضاح معاني أهم الكلمات الغامضة، مع التّعرض لأسباب النزول مع كل آية. وحينئذ قد تتطابق عبارات التفاسير الثلاثة، وقد تختلف بحسب الحاجة، وبما يقتضيه المقام في تسليط الأضواء على بعض الألفاظ والجمل، وقد يذكر الوجه الإعرابي الضروري للبيان. وتميّز هذا التفسير ببساطته وعمقه في آن واحد، وبإيراد مقدمة عن كل مجموعة من الآيات، تكوّن موضوعا واحدا.
ﰡ
آية رقم ١
ﮣﮤ
ﮥ
تفسير سورة التكاثر
عاقبة التكاثر في المال والجاه
الناس في لغو ولهو وطرب، ينساقون وراء المال والجاه، والصيت والسمعة، ويحرصون على التنويه بذواتهم في إطار التفوق المادي وجمع المال بأي طريق. ويظل هذا الحرص مهيمنا على مشاعرهم طوال الحياة. فمنهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال. ولقد حذر القرآن الكريم في مناسبات كثيرة من الاغترار بالدنيا وزينتها ومفاتنها، ومن فتنة الأموال والأولاد والأزواج، ولا سيما في سورة التكاثر المكية بلا خلاف:
[سورة التكاثر (١٠٢) : الآيات ١ الى ٨]
كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [التكاثر: ١٠٢/ ١- ٨].
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن بريدة في قوله: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار، في بني حارثة وبني الحارث، وتفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما، فيكم مثل فلان ابن فلان وفلان؟ وقال الآخرون: مثل ذلك،
عاقبة التكاثر في المال والجاه
الناس في لغو ولهو وطرب، ينساقون وراء المال والجاه، والصيت والسمعة، ويحرصون على التنويه بذواتهم في إطار التفوق المادي وجمع المال بأي طريق. ويظل هذا الحرص مهيمنا على مشاعرهم طوال الحياة. فمنهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال. ولقد حذر القرآن الكريم في مناسبات كثيرة من الاغترار بالدنيا وزينتها ومفاتنها، ومن فتنة الأموال والأولاد والأزواج، ولا سيما في سورة التكاثر المكية بلا خلاف:
[سورة التكاثر (١٠٢) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [التكاثر: ١٠٢/ ١- ٨].
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن بريدة في قوله: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار، في بني حارثة وبني الحارث، وتفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما، فيكم مثل فلان ابن فلان وفلان؟ وقال الآخرون: مثل ذلك،
(١) شغلكم بلذاته.
(٢) التفاخر بكثرة المال والولد.
(٣) علما يقينيا: وهو العلم القطعي الذي نشأ عن اعتقاد مطابق للواقع، عن معاينة أو دليل صحيح.
(٤) لتشاهدن النار.
(٥) لتشاهدنها حقيقة أو عيانا كأنها اليقين نفسه، فعلم المشاهدة: هو عين اليقين.
(٢) التفاخر بكثرة المال والولد.
(٣) علما يقينيا: وهو العلم القطعي الذي نشأ عن اعتقاد مطابق للواقع، عن معاينة أو دليل صحيح.
(٤) لتشاهدن النار.
(٥) لتشاهدنها حقيقة أو عيانا كأنها اليقين نفسه، فعلم المشاهدة: هو عين اليقين.
— 2924 —
تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول:
فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور، ومثل فلان، وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل.
وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) إلى قوله: ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) في عذاب القبر.
لقد شغلكم بلذاته ومفاتنه التفاخر والتباهي بالأموال والأولاد والأعوان، والاعتناء بكثرتها وتحصيلها، شغلكم عن طاعة الله والعمل للآخرة، حتى أدرككم الموت، وأنتم على تلك الحال. وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ وتحسر. والتكاثر: التفاخر بالأموال والأولاد والعدد جملة، وهذا ولع أهل الدنيا ودأبهم وعادتهم، سواء من العرب وغيرهم، لا يتخلص منه إلا العلماء المتقون.
أخرج البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت».
ومعنى حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) مختلف فيه، قال بعضهم بما يناسب سبب النزول: حتى ذكرتم الموتى في تفاخركم بالآباء والسلف، وتكثّرتم بالعظام الرميم، وقال آخرون: المعنى، حتى متّم وزرتم بأجسادكم مقابركم، أي قطعتم بالتكاثر أعماركم. وعلى هذا التأويل روي أن أعرابيا سمع هذه الآية، فقال: بعث القوم للقيامة، وربّ الكعبة، فإن الزائر منصرف لا يقيم.
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) أي ارتدعوا وانزجروا عن هذا التكاثر الذي يؤدي إلى
فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور، ومثل فلان، وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل.
وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) إلى قوله: ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) في عذاب القبر.
لقد شغلكم بلذاته ومفاتنه التفاخر والتباهي بالأموال والأولاد والأعوان، والاعتناء بكثرتها وتحصيلها، شغلكم عن طاعة الله والعمل للآخرة، حتى أدرككم الموت، وأنتم على تلك الحال. وهذا خبر فيه تقريع وتوبيخ وتحسر. والتكاثر: التفاخر بالأموال والأولاد والعدد جملة، وهذا ولع أهل الدنيا ودأبهم وعادتهم، سواء من العرب وغيرهم، لا يتخلص منه إلا العلماء المتقون.
أخرج البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت».
ومعنى حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) مختلف فيه، قال بعضهم بما يناسب سبب النزول: حتى ذكرتم الموتى في تفاخركم بالآباء والسلف، وتكثّرتم بالعظام الرميم، وقال آخرون: المعنى، حتى متّم وزرتم بأجسادكم مقابركم، أي قطعتم بالتكاثر أعماركم. وعلى هذا التأويل روي أن أعرابيا سمع هذه الآية، فقال: بعث القوم للقيامة، وربّ الكعبة، فإن الزائر منصرف لا يقيم.
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) أي ارتدعوا وانزجروا عن هذا التكاثر الذي يؤدي إلى
— 2925 —
التقاطع والتدابر والأحقاد والضغائن، وإهمال العمل للآخرة، ومراعاة مصالح الأمة وخيرها، وتصحيح السلوك والأخلاق، وستعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة، وهذا زجر ووعيد.
ثم أكد الله تعالى ذلك الزجر والوعيد للاتعاظ، أي ارتدعوا عن هذا اللهو بالدنيا، فإنكم لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علما يقينيا، لانشغلتم عن التكاثر والتفاخر، ولبادرتم إلى صالح الأعمال، ولما ألهاكم التباهي عن أمر الآخرة العظيم والإعداد لها. وهذا زيادة في الزجر واللوم عن الانهماك في الدنيا، والانهماك بمظاهر الحياة الزائلة.
وقوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ جواب (لو) محذوف مقدر في القول، أي لازدجرتم وبادرتم إنقاذ أنفسكم من الهلكة. واليقين: أعلى مراتب العلم. ثم فسر الله تعالى الوعيد، وأخبر الناس أنهم يرون الجحيم بقوله: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) أي لتشاهدن النار في الآخرة، أي تذوقوا عذابها، وهذا جواب قسم محذوف، وهو توعد بحال رؤية النار، التي إذا زفرت زفرة واحدة، خرّ كل ملك مقرّب، ونبي مرسل، على ركبتيه من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال الجسام.
ثم أكد الله تعالى ذلك الوعيد بقوله: ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) أي ثم لتشاهدنّ الجحيم مشاهدة عيانا هي نفس اليقين، وهي المشاهدة أو الرؤية بأعينكم، فإياكم من الوقوع فيما يؤدي إلى النار من اقتراف المعاصي والسيئات.
ثم أكد الله تعالى المساءلة عن الأعمال، للتحذير، فقال: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) أي إنكم سوف تسألون عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة، وتسألون عن أنواع نعيم الدنيا، من أمن وصحة وفراغ ومأكول ومشروب ومسكن، وغير ذلك من النعيم. قال الزمخشري: عَنِ النَّعِيمِ عن اللهو والتنعم
ثم أكد الله تعالى ذلك الزجر والوعيد للاتعاظ، أي ارتدعوا عن هذا اللهو بالدنيا، فإنكم لو تعلمون الأمر الذي أنتم صائرون إليه علما يقينيا، لانشغلتم عن التكاثر والتفاخر، ولبادرتم إلى صالح الأعمال، ولما ألهاكم التباهي عن أمر الآخرة العظيم والإعداد لها. وهذا زيادة في الزجر واللوم عن الانهماك في الدنيا، والانهماك بمظاهر الحياة الزائلة.
وقوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ جواب (لو) محذوف مقدر في القول، أي لازدجرتم وبادرتم إنقاذ أنفسكم من الهلكة. واليقين: أعلى مراتب العلم. ثم فسر الله تعالى الوعيد، وأخبر الناس أنهم يرون الجحيم بقوله: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) أي لتشاهدن النار في الآخرة، أي تذوقوا عذابها، وهذا جواب قسم محذوف، وهو توعد بحال رؤية النار، التي إذا زفرت زفرة واحدة، خرّ كل ملك مقرّب، ونبي مرسل، على ركبتيه من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال الجسام.
ثم أكد الله تعالى ذلك الوعيد بقوله: ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) أي ثم لتشاهدنّ الجحيم مشاهدة عيانا هي نفس اليقين، وهي المشاهدة أو الرؤية بأعينكم، فإياكم من الوقوع فيما يؤدي إلى النار من اقتراف المعاصي والسيئات.
ثم أكد الله تعالى المساءلة عن الأعمال، للتحذير، فقال: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) أي إنكم سوف تسألون عن نعيم الدنيا الذي ألهاكم عن العمل للآخرة، وتسألون عن أنواع نعيم الدنيا، من أمن وصحة وفراغ ومأكول ومشروب ومسكن، وغير ذلك من النعيم. قال الزمخشري: عَنِ النَّعِيمِ عن اللهو والتنعم
— 2926 —
الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه. وقال الفخر الرازي: والأظهر أن الذي يسأل عن النعيم هم الكفار، وفي قول آخر: إنه عام في حق المؤمن والكافر، ويكون السؤال حينئذ في حق المؤمن ليعلم أنه وجّه هذا النعيم لما فيه الخير، وصرفه فيما يرضي الله تعالى.
— 2927 —
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
1 مقطع من التفسير