جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىَ لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾. .
يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : قل للمشركين : وإن تدعوا أيها المشركون آلهتكم إلى الهدى، وهو الاستقامة إلى السداد، لا يَسْمَعُوا يقول : لا يسمعوا دعاءكم. وتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهُمْ لا يُبْصِرُونَ وهذا خطاب من الله لنبيه ﷺ، يقول : وترى يا محمد آلهتهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون. ولذلك وحد، ولو كان أمر النبيّ ﷺ بخطاب المشركين لقال : وترونهم ينظرون إليكم.
وقد رُوي عن السديّ في ذلك ما :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : وَإنْ تَدْعُوهُمْ إلى الهُدَى لا يَسْمَعوا وَتَرَاهمْ يَنْظرُونَ إلَيكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ قال : هؤلاء المشركين.
وقد يحتمل قول السديّ هذا أن يكون أراد بقوله : هؤلاء المشركون قول الله : وَإنْ تَدْعُوهُمْ إلى الهدَى لا يَسْمَعوا.
وقد كان مجاهد يقول في ذلك ما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : وَتَرَاهُمْ يَنْظرُونَ إلَيْكَ وَهمْ لا يُبْصِرُونَ ما تدعوهم إلى الهدى.
وكأن مجاهدا وجه معنى الكلام إلى أن معناه : وترى المشركين ينظرون إليك وهم لا يبصرون. فهو وجه، ولكن الكلام في سياق الخبر عن الآلهة فهو بوصفها أشبه.
قال أبو جعفر : فإن قال قائل : فما معنى قوله : وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وَهمْ لا يُبْصِرُونَ ؟ وهل يجوز أن يكون شيء ينظر إلى شيء ولا يراه ؟ قيل : إن العرب تقول للشيء إذا قابل شيئا أو حاذاه هو ينظر إلى كذا، ويقال : منزل فلان ينظر إلى منزلي إذا قابله. وحُكي عنها : إذا أتيت موضع كذا وكذا، فنظر إليك الجبل، فخذ يمينا أو شمالاً. وحدثت عن أبي عُبيد، قال : قال الكسائي : الحائط ينظر إليك إذا كان قريبا منك حيث تراه، ومنه قول الشاعر :
| إذَا نَظَرَتْ بِلادَ بَنِي تَمِيم | بِعَيْنٍ أوْ بِلادَ بَنِي صُباحِ |
فمعنى الكلام : وترى يا محمد آلهة هؤلاء المشركين من عبدة الأوثان يقابلونك ويحاذونك، وهم لا يبصرونك، لأنه لا أبصار لهم. وقيل :«وتراهم »، ولم يقل :«وتراها »، لأنها صور مصوّرة على صور بني آدم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل للمشركين: وإن تدعوا، أيها المشركون، آلهتكم إلى الهدى =وهو الاستقامة إلى السداد= (لا يسمعوا)، يقول: لا يسمعوا دعاءكم = (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون).
* * *
وهذا خطاب من الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم. يقول: وترى، يا محمد، آلهتهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون = ولذلك وحَّد. (١) ولو كان أمر النبي ﷺ بخطاب المشركين، لقال: "وترونهم ينظرون إليكم". (٢)
* * *
وقد روى عن السدي في ذلك ما: -
١٥٥٣٣ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك هم لا يبصرون) قال: هؤلاء المشركين.
* * *
وقد يحتمل قول السدي هذا أن يكون أراد بقوله: "هؤلاء المشركون"، قول الله: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا). وقد كان مجاهد يقول في ذلك، ما: -
١٥٥٣٤ - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن
(٢) في المخطوطة: ((وترونهم ينظرون إليك... )) وبعد ((إليك)) بياض بقدر كلمة. والذي في المطبوعة شبيه بالصواب.
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فما معنى قوله: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) ؟ وهل يجوز أن يكون شيء ينظر إلى شيء ولا يراه؟
قيل: إن العرب تقول للشيء إذا قابل شيئًا أو حاذاه: "هو ينظر إلى كذا"، ويقال: "منزل فلان ينظر إلى منزلي" إذا قابله. وحكي عنها: "إذا أتيتَ موضع كذا وكذا، فنظر إليك الجبل، فخذ يمينًا أو شمالا". وحدثت عن أبي عبيد قال: قال الكسائي: "الحائط ينظر إليك" إذا كان قريبًا منك حيث تراه، ومنه قول الشاعر: (١) إِذَا نَظَرْتَ بِلادَ بَنِي تَمِيمٍ بِعَيْنٍ أَوْ بِلادَ بَنِي صُبَاحِ