جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة ومكة والشام والبصرة :«فَعَدّلكَ » بتشديد الدال، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بتخفيفها وكأن من قرأ ذلك بالتشديد، وجّه معنى الكلام إلى أنه جعلك معتدلاً معدّل الخلق مقوّما، وكأنّ الذين قرؤوه بالتخفيف، وجّهوا معنى الكلام إلى صرفك، وأمالك إلى أيّ صورة شاء، إما إلى صورة حسنة، وإما إلى صورة قبيحة، أو إلى صورة بعض قراباته.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان في قَرَأة الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجبهما إليّ أن أقرأ به، قراءة من قرأ ذلك بالتشديد، لأن دخول «في » للتعديل أحسن في العربية من دخولها للعدل، ألا ترى أنك تقول : عدّلتك في كذا، وصرفتك إليه، ولا تكاد تقول : عدلتك إلى كذا وصرفتك فيه، فلذلك اخترت التشديد.
وبنحو الذي قلنا في ذلك وذكرنا أن قارئي ذلك تأوّلوه، جاءت الرواية عن أهل التأويل أنهم قالوه. ذكر الرواية بذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : فِي أيّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكّبَكَ قال : في أيّ شبه أب أو أم أو خال أو عمّ.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن إسماعيل، في قوله : ما شاءَ رَكّبَكَ قال : إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح فِي أيّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكّبَكَ قال : خنزيرا أو حمارا.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله : فِي أيّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكّبَكَ قال : إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير.
حدثني محمد بن سنان القزّاز، قال : حدثنا مطهر بن الهيثم، قال : حدثنا موسى بن عليّ بن أبي رباح اللّخمي، قال : ثني أبي، عن جدي، أن النبيّ ﷺ قال له :«ما وُلِدَ لَكَ ؟ » قال : يا رسول الله، ما عسى أن يولد لي، إما غلام، وإما جارية، قال :«فَمَنْ يُشْبِهُ ؟ » قال : يا رسول الله من عسى أن يشبه ؟ إما أباه، وإما أمه فقال النبيّ ﷺ عندها :«مَهْ، لا تَقُولَنّ هَكَذَا، إنّ النّطْفَةَ إذا اسْتَقَرّتْ فِي الرّحِمِ أحْضَرَ اللّهُ كُلّ نَسَبٍ بَيْنَها وَبَينَ آدَمَ، أما قَرأْتَ هَذِهِ الآية فِي كِتابِ اللّهِ فِي أيّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكّبَكَ قال : سَلَكَكَ ».
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوّام، عن إبراهيم التيمي، قال: ذكروا عنده هذه الآية (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) قال: أنا مما أخَّرَ الحجاج.
وإنما اخترنا القول الذي ذكرناه، لأن كلّ ما عمل العبد من خير أو شرّ فهو مما قدّمه، وأن ما ضيَّع من حقّ الله عليه وفرّط فيه فلم يعمله، فهو مما قد قدّم من شرّ، وليس ذلك مما أخَّر من العمل، لأن العمل هو ما عمله. فأما ما لم يعمله فإنما هو سيئة قدّمها، فلذلك قلنا: ما أخر: هو ما سنه من سنة حسنة وسيئة، مما إذا عمل به العامل، كان له مثل أجر العامل بها أو وزره.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: يا أيها الإنسان الكافر، أيّ شيء غرّك بربك الكريم، غرّ الإنسانَ به عدوُّه المسلَّط عليه.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) شيء ما غرّ ابن آدم هذا العدوّ الشيطان.
وقوله: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ) يقول: الذي خلقك أيها الإنسان فسوّى خلقك (فَعَدَلَكَ) واختلفت القرَّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرَّاء المدينة ومكة والشام والبصرة (فعدّلك) بتشديد الدال، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بتخفيفها، وكأن من قرأ ذلك بالتشديد وجَّه معنى الكلام إلى أنه جعلك معتدلا معدّل الخلق مقوَّما، وكأن الذين قرءوه بالتخفيف، وجَّهوا معنى الكلام إلى صرفك وأمالك إلى أيّ صورة شاء، إما إلى صورة حسنة، وإما إلى صورة قبيحة، أو إلى صورة بعض قراباته.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجبهما إليّ أن أقرأ به قراءة من قَرَأ ذلك بالتشديد، لأن دخول" في" للتعديل أحسن في العربية من دخولها للعدل، ألا ترى أنك تقول: عدّلتك في كذا، وصرفتك إليه، ولا تكاد تقول: عدلتك