جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
اختلفت القرّاء في قراءة قوله : حتى إذَا جاءَنا فقرأته عامة قرّاء الحجاز سوى ابن محيصن، وبعض الكوفيين وبعض الشاميين «حتى إذَا جاءانا » على التثنية بمعنى : حتى إذا جاءنا هذا الذي عَشِيَ عن ذكر الرحمن، وقرينه الذي قيض له من الشياطين. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة وابن محيصن : حتى إذَا جاءَنا على التوحيد، بمعنى : حتى إذا جاءنا هذا العاشي من بني آدم عن ذكر الرحمن.
والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان متقاربتا المعنى وذلك أنّ في خبر الله تبارك وتعالى عن حال أحد الفريقين عند مقدمه عليه فيما أقرنا فيه في الدنيا، الكفاية للسامع عن خبر الآخر، إذ كان الخبر عن حال أحدهما معلوما به خبر حال الاَخر، وهما مع ذلك قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : حتى إذَا جاءَانا هو وقرينه جميعا.
وقوله : يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المُشْرقَيْنِ يقول تعالى ذكره : قال أحد هذين القرينين لصاحبه الاَخر : وددت أن بيني وبينك بعد المشرقين : أي بُعد ما بين المشرق والمغرب، فغلب اسم أحدهما على الاَخر، كما قيل : شبه القمرين، وكما قال الشاعر :
| أخَذْنا بآفاقِ السّماءِ عَلَيْكُمُ | لنَا قَمَرَاهَا والنّجُومُ الطّوَالِعُ |
| فَبَصْرَةُ الأزْدِ مِنّا والعِرَاقُ لنَا | والمَوْصِلانِ وَمِنّا مِصْرُ والحَرَمُ |
وقد قيل : عنى بقوله بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ : مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، وذلك أن الشمس تطلع في الشتاء من مشرق، وفي الصيف من مشرق غيره وكذلك المغرب تغرب في مغربين مختلفين، كما قال جلّ ثناؤه : رَبّ المَشْرِقَيْنِ وَرَبّ المَغْرِبَينِ.
وذُكر أن هذا قول أحدهما لصاحبه عند لزوم كل واحد منهما صاحبه حتى يورده جهنم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن سعيد الجريري، قال : بلغني أن الكافر إذا بُعث يوم القيامة من قبره، سفعَ بيده الشيطان، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار، فذلكم حين يقول : يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين، فبئس القرين. وأما المؤمن فيوكّل به مَلك فهو معه حتى قال : إما يفصل بين الناس، أو نصير إلى ما شاء الله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وقد تأوّله بعضهم بمعنى. ومن يعمَ، ومن تأوّل ذلك كذلك، فيحب أن تكون قراءته (وَمَنْ يَعْشُ) بفتح الشين على ما بيَّنت قيل.
* ذكر من تأوّله كذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ) قال: من يعمَ عن ذكر الرحمن.
وقوله: (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) يقول تعالى ذكره: وإن الشياطين ليصدّون هؤلاء الذين يعشون عن ذكر الله، عن سبيل الحقّ، فيزينون لهم الضلالة، ويكرهون إليهم الإيمان بالله، والعمل بطاعته (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) يقول: ويظن المشركون بالله بتحسين الشياطين لهم ما هم عليه من الضلالة، أنهم على الحق والصواب، يخبر تعالى ذكره عنهم أنهم من الذي هم عليه من الشرك على شكّ وعلى غير بصيرة. وقال جلّ ثناؤه: (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) فأخرج ذكرهم مخرج ذكر الجميع، وإنما ذُكر قبل واحدا، فقال: (نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا) لأن الشيطان وإن كان لفظه واحدا، ففي معنى جمع.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَنَا) فقرأته عامة قرّاء الحجاز سوى ابن محيصن، وبعض الكوفيين وبعض الشاميين"حتى إذا جاءنا" على التوحيد بمعنى: حتى إذا جاءنا هذا الذي عَشِي عن ذكر الرحمن، وقرينه الذي
والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان متقاربتا المعنى وذلك أن في خبر الله تبارك وتعالى عن حال أحد الفريقين عند مقدمه عليه فيما أقرنا فيه في الدنيا، الكفاية للسامع عن خبر الآخر، إذ كان الخبر عن حال أحدهما معلوما به خبر حال الآخر، وهما مع ذلك قراءتان مستفيضتان في قرءة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: حتى إذَا جاءنا هو وقرينه جميعا.
وقوله: (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) يقول تعالى ذكره: قال أحد هذين القرينين لصاحبه الآخر: وددت أن بيني وبينك بعد المشرقين: أى بعد ما بين المشرق والمغرب، فغلب اسم أحدهما على الآخر، كما قيل: شبه القمرين، وكما قال الشاعر؟
| أخَذْنا بآفاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمُ | لنَا قَمَرَاهَا والنُّجُومُ الطَّوَالِعُ (١) |
| فَبَصْرَةُ الأزْدِ مِنَّا والعِرَاقُ لنَا | والمَوْصِلانِ وَمِنَّا مِصْرُ والحَرَمُ (١) |
وقد قيل: عنى بقوله (بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) : مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، وذلك أن الشمس تطلع في الشتاء من مشرق، وفي الصيف من مشرق غيره; وكذلك المغرب تغرب في مغربين مختلفين، كما قال جلّ ثناؤه: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ).
وذُكر أن هذا قول أحدهما لصاحبه عند لزوم كل واحد منهما صاحبه حتى يورده جهنم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن سعيد الجريري، قال: بلغني أن الكافر إذا بُعث يوم القيامة من قبره، سفع بيده الشيطان، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار، فذلك حين يقول: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين، فبئس القرين. وأما المؤمن فيوكَّل به ملك فهو معه حتى قال: إما يفصل بين الناس، أو نصير إلى ما شاء الله.
وقوله: (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ) أيها العاشون عن ذكر الله في الدنيا (إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) يقول: لن يخفف عنكم اليوم من عذاب الله اشتراككم فيه، لأن لكل واحد منكم نصيبه منه، و"أنَّ" من قوله (أنَّكُمْ) في موضع رفع لما ذكرت أن معناه: لن ينفعكم اشتراككم.
| " فبصرة الأزد منا | " البيت، يريد الجزيرة والموصل. |
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى مِنْهَا كَافِرًا شَرْبَةَ مَاءٍ أبدا» «١» قال الترمذي: حسن صحيح.
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٣٦ الى ٤٥]
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠)فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)
يَقُولُ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْشُ أَيْ يَتَعَامَى وَيَتَغَافَلُ وَيُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ وَالْعَشَا فِي الْعَيْنِ ضَعْفُ بَصَرِهَا، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا عَشَا الْبَصِيرَةِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ كقوله تَعَالَى:
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [النِّسَاءِ: ١١٥] الآية، وَكَقَوْلِهِ: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصَّفِّ: ٥] وكقوله جل جلاله: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ [فصلت: ٢٥] الآية، ولهذا قال تبارك وتعالى هَاهُنَا: وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذا جاءَنا «٢» أَيْ هَذَا الَّذِي تَغَافَلَ عَنِ الْهُدَى نُقَيِّضُ لَهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ. فَإِذَا وافى الله عز وجل يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَبَرَّمُ بِالشَّيْطَانِ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ قالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ «حَتَّى إِذَا جَاءَانَا» يَعْنِي الْقَرِينَ وَالْمُقَارِنَ.
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُعِثَ مِنْ قَبْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَفَعَ بِيَدِهِ شيطان فلم يفارقه حتى يصيرهما الله تبارك وتعالى إلى النار، فذلك حين يقول يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَالْمُرَادُ بالمشرقين هاهنا هُوَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ هَاهُنَا تَغْلِيبًا كَمَا يُقَالُ: الْقَمَرَانِ وَالْعُمَرَانُ وَالْأَبَوَانِ، قاله ابن جرير «٣» وغيره.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ أَيْ لَا يغني عنكم
(٢) انظر تفسير الطبري ١١/ ١٨٩. [.....]
(٣) تفسير الطبري ١١/ ١٨٩.
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَيْ لَا بُدَّ أَنْ نَنْتَقِمَ مِنْهُمْ وَنُعَاقِبَهُمْ وَلَوْ ذَهَبْتَ أَنْتَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ أَيْ نَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى هَذَا وعلى هذا ولم يقبض اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقَرَّ عَيْنَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ وَحَكَّمَهُ فِي نَوَاصِيهِمْ، وَمَلَّكَهُ مَا تَضَمَّنَتْهُ صَيَاصِيهِمْ! هَذَا مَعْنَى قَوْلِ السُّدِّيُّ وَاخْتَارَهُ ابْنِ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: تَلَا قَتَادَةُ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ فَقَالَ: ذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَقِيَتِ النِّقْمَةُ، ولن يري الله تبارك وتعالى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّتِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ حَتَّى مَضَى، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قط إلا وقد رأى الْعُقُوبَةَ فِي أُمَّتِهِ إِلَّا نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ مَا يُصِيبُ أُمَّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ فَمَا رُئِيَ ضَاحِكًا مُنْبَسِطًا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَذُكِرَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ، ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَفِي الْحَدِيثِ «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أتى أصحابي ما يوعدون» «٢» ثم قال عز وجل فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أَيْ خُذْ بِالْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى قَلْبِكَ، فَإِنَّهُ هُوَ الْحَقُّ وَمَا يَهْدِي إِلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ الْمُفْضِي إِلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُوصِلِ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَالْخَيْرِ الدَّائِمِ الْمُقِيمِ.
ثُمَّ قال جل جلاله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ قِيلَ مَعْنَاهُ لَشَرَفٌ لك ولقومك، قاله ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيْدٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ «٣» وَلَمْ يَحْكِ سِوَاهُ وَأَوْرَدَ الْبَغَوِيُّ هَاهُنَا حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ معاوية رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُنَازِعُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ إلا أكبه الله تعالى عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ» «٤» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومعناه أَنَّهُ شَرَفٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أُنْزِلَ بَلُغَتِهِمْ، فَهُمْ أَفْهَمُ النَّاسِ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا أَقْوَمَ النَّاسِ بِهِ وَأَعْمَلَهُمْ بِمُقْتَضَاهُ، وَهَكَذَا كَانَ خِيَارُهُمْ وَصَفْوَتُهُمْ مِنَ الْخُلَّصِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَمَنْ شَابَهَهُمْ وَتَابَعَهُمْ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ أَيْ لَتَذْكِيرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ، وَتَخْصِيصُهُمْ بِالذِّكْرِ لَا يَنْفِي مَنْ سِوَاهُمْ، كقوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: ١٠] وكقوله تبارك
(٢) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث ٢٠٧، وأحمد في المسند ٤/ ٣٩٨، ٣٩٩.
(٣) تفسير الطبري ١١/ ١٩١.
(٤) أخرجه البخاري في المناقب باب ٢، والأحكام باب ٢، وأحمد في المسند ٤/ ٩٤.
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يخبر تعالى عن عقوبته البليغة، لمن أعرض عن ذكره، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أي: يعرض ويصد ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ الذي هو القرآن العظيم، الذي هو أعظم رحمة رحم بها الرحمن عباده، فمن قبلها، فقد قبل خير المواهب، وفاز بأعظم المطالب والرغائب، ومن أعرض عنها وردها، فقد خاب وخسر خسارة لا يسعد بعدها أبدا، وقيَّض له الرحمن شيطانا مريدا، يقارنه ويصاحبه، ويعده ويمنيه، ويؤزه إلى المعاصي أزا،
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: الصراط المستقيم، والدين القويم. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ بسبب تزيين الشيطان للباطل وتحسينه له، وإعراضهم عن الحق، فاجتمع هذا وهذا.
فإن قيل: فهل لهذا من عذر، من حيث إنه ظن أنه مهتد، وليس كذلك؟
قيل: لا عذر لهذا وأمثاله، الذين مصدر جهلهم الإعراض عن ذكر الله، مع تمكنهم على الاهتداء، فزهدوا في الهدى مع القدرة عليه، ورغبوا في الباطل، فالذنب ذنبهم، والجرم جرمهم.
فهذه حالة هذا المعرض عن ذكر الله في الدنيا، مع قرينه، وهو الضلال والغيّ، وانقلاب الحقائق.
وأما حاله، إذا جاء ربه في الآخرة، فهو شر الأحوال، وهو: إظهار الندم والتحسر، والحزن الذي لا يجبر مصابه، والتبرِّي من قرينه، ولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾
كما في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا يَا ويلتي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا﴾
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: ولا ينفعكم يوم القيامة اشتراككم في العذاب، أنتم وقرناؤكم وأخلاؤكم، وذلك لأنكم اشتركتم في الظلم، فاشتركتم في عقابه وعذابه.
ولن ينفعكم أيضا، روح التسلي في المصيبة، فإن المصيبة إذا وقعت في الدنيا، واشترك فيها المعاقبون، هان عليهم بعض الهون، وتسلَّى بعضهم ببعض، وأما مصيبة الآخرة، فإنها جمعت كل عقاب، ما فيه أدنى راحة، حتى ولا هذه الراحة. نسألك يا ربنا العافية، وأن تريحنا برحمتك.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٠ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ
- مِثْلَ تَبَاعُدِ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ، وَالمَغْرِبِ.
إعراب الآية ٣٨ من سورة الزخرف
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة الزخرف (٤٣) : آية ٣٦]
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ قال محمد بن يزيد: يعش يتعامى، وأصله من الأعشى، وهو الذي قد ركب بصره ضعف وظلمة. ومنه جاء فلان يعشو، إذا جاءه ليلا لما يركب بصره من الظلمة. وقال غيره: عشي عن ذكر الرحمن لم ينتفع بالذكر كما أن الأعشى الذي لا يبصر في الضوء فهو لا ينتفع ببصره كما ينتفع غيره ويَعْشُ في موضع جزم بالشرط وعلامة الجزم فيه حذف الواو وهو مشتق من العشي إلّا أنه يقال:
عشي يعشى إذا صار أعشى، وعشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى. وهو من ذوات الواو، والياء في عشي منقلبة من واو، وكذا الألف في عشا الذي هو مصدر. ولهذا قال النحويون: العشا في البصر يكتب بالألف والدليل على ذلك أنه يقال: امرأة عشواء. نُقَيِّضْ لَهُ جواب الشرط.
[سورة الزخرف (٤٣) : آية ٣٧]
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ محمول على المعنى لأن شيطانا يؤدّي عن معنى شياطين.
[سورة الزخرف (٤٣) : آية ٣٨]
حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)حَتَّى إِذا جاءَنا قراءة نافع وعاصم وعبد الله بن عامر وهي البينة لأن الضمير يعود على «من» و «القرين»، وقراءة أبي عمرو والكوفيين غير عاصم حَتَّى إِذا جاءَنا «١» وهو بمعنى ذلك أي حتّى إذا جاءنا هو وقرينه والعرب تحذف مثل هذا، كما يقال:
كحلت عيني، يراد العينان. قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ اسم «ليت» وهي ظرف، كما يقال: يا ليت بيني وبينك بعدا. ويجوز بعد بمعنى ليت مقدار ذلك، فإن قلت:
ليت بيني وبينك متباعد رفعت.
[سورة الزخرف (٤٣) : الآيات ٣٩ الى ٤٠]
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠)«أنّ» في موضع رفع أي لن ينفعكم اشتراككم لأنّ الإنسان في الدنيا إذا أصيب بمصيبة هو وغيره سهلت عليه بعض السهولة وتأسّى به فحرم الله جلّ وعزّ ذلك أهل النار.
القراءات في الآية ٣٨ من سورة الزخرف
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
جَآءَنَا
(جَآءَانَا) بألف بعد الهمزة وبمد المتصل 6 حركات مع ثلاثة البدل وفتح الألف الأولى
(جَآءَانَا) بإمالة الألف الأولى ومدها 4 حركات وبألف بعد الهمزة تمد حركتين
(جَآءَانَا) بفتح الألف الأولى ومدها 3 حركات وبألف بعد الهمزة تمد حركتين
(جَآءَانَا) بفتح الألف الأولى ومدها 4 أو 5 حركاتوبألف بعد الهمزة تمد حركتين
(جَآءَانَا) بفتح الألف الأولى ومدها 4 حركات وبألف بعد الهمزة تمد حركتين
(جَآءَنَا) بإمالة الألف ومدها 4 حركات وحذف الألف بعد الهمزة
(جَآءَنَا) بإمالة الألف ومدها 6 حركات وحذف الألف بعد الهمزة
(جَآءَنَا) بفتح الألف ومدها 3 حركات وحذف الألف بعد الهمزة
(جَآءَنَا) بفتح الألف ومدها 4 أو 5 حركات وحذف الألف بعد الهمزة
(جَآءَنَا) بفتح الألف ومدها 4 حركات وحذف الألف بعد الهمزة
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٦ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور
قراءات
قول واحدتفسير الآية
قولانِتفسير
٣ أقوالقال أبو سعيد الخُدري، في قوله: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾: إذا بُعِث الكافرُ زُوِّج بقرينه مِن الشيطان، فلا يفارقه حتّى يصيرا إلى النّار١
عن سعيد الجُرَيرِيِّ -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾، قال: بلَغَنا: أنّ الكافر إذا بُعِث يوم القيامة مِن قبره سَفَعَ بيده شيطان، فلم يُفارقه حتى يصيِّرهما اللهُ إلى النار، فذلك حين يقول: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قال﴾ ابن آدم لقرينه: ﴿يا لَيْتَ﴾ يتمنى ﴿بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ يعني: ما بين مشرق الصيف إلى مشرق الشتاء، أطول يوم في السّنة وأقصر يوم في السّنة، ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ يقول: فبِئس الصاحب معه في النار في سلسلة واحدة١٢
وقفات تدبرية في الآية ٣٨ من سورة الزخرف
٤ وقفات في هذه الآية
-
أعظم الناس ظلما لصاحبه، الذي يراه على باطل يخسر به آخرته، ثم يجامله ويسكت حفاظا على صداقته ومودته، (بئس القرين)
— عبدالله بلقاسم
-
﴿...قال يا لَيت بَيني وَبَينَك بُعد المشرِقين...﴾. ابتعد عن كل ما يبعدك عن ربك، حتى لا تندم هناك، يوم لا ينفع الندم.
— مجالس التدبر
-
{ قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ } تأمل! لم يقل"بيننا" لأنه أراد قمة البراءة فسعى للتخلص منه ففصل حتى الألفاظ!
— عبداللطيف التويجري
-
قوله {حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم} وفي الزخرف وغيره {حتى إذا جاءنا} {حتى إذا جاءونا} بغير {ما} لأن حتى ههنا هي التي تجري مجرى واو العطف نحو قولك أكلت السمكة حتى رأسها أي ورأسها وتقدير الآية فهم يوزعون إذا جاءوها و {ما} هي التي تزاد مع الشروط نحو أينما وحيثما و {حتى} في غيرها من السور للغاية .
— كتاب أسرار التكرار للكرماني
ترجمات معاني الآية ٣٨ من سورة الزخرف
ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً
(38) Until, when he comes to Us [at Judgement], he says [to his companion], "How I wish there was between me and you the distance between the east and west; and what a wretched companion."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا