محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٣٠ من سورة ص في ٨٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٦ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٣٠ من سورة ص

٨٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
يقول تعالى ذكره :﴿وَوَهْبَنا لدَاوُدَ سُلَيْمانَ﴾ ابنه ولدا نَعْمَ العَبْدُ يقول : نعم العبد سليمان إنّهُ أوّابٌ يقول : إنه رجاع إلى طاعة الله توّاب إليه مما يكرهه منه. وقيل : إنه عُنِي به أنه كثير الذكر لله والطاعة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿نِعْمَ العَبْدُ إنّهُ أوّابٌ﴾ قال : الأوّاب : المسبّح.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿نَعْمَ العَبْدُ إنّهُ أوّابٌ﴾ قال : كان مطيعا لله كثير الصلاة.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قوله :{ نَعْمَ العَبْدُ إنّهُ أوّابٌ قال : المسبّح.
والمسبّح قد يكون في الصلاة والذكر. وقد بيّنا معنى الأوّاب، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ) يقول: وليعتبر أولو العقول والحِجَا ما في هذا الكتاب من الآيات، فيرتدعوا عما هم عليه مقيمين من الضلالة، وينتهوا إلى ما دلهم عليه من الرشاد وسبيل الصواب.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله (أُولُو الألْبَابِ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (أُولُو الألْبَابِ) قال: أولو العقول من الناس، وقد بيَّنا ذلك فيما مضى قبل بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ (٣٣)﴾
يقول تعالى ذكره (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ) ابنه ولدا (نِعْمَ الْعَبْدُ) يقول: نعم العبد سليمان (إِنَّهُ أَوَّابٌ) يقول: إنه رجاع إلى طاعة الله توّاب إليه مما يكرهه منه. وقيل: إنه عُنِي به أنه كثير الذكر لله والطاعة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: شي عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) قال: الأواب: المسبّح.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) قال: كان مطيعًا لله كثير الصلاة.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) قال: المسبِّح.
والمسبِّح قد يكون في الصلاة والذكر. وقد بيَّنَّا معنى الأوّاب، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقوله (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) يقول تعالى ذكره: إنه تواب إلى الله من خطيئته التي أخطأها، إذ عرض عليه بالعشي الصافنات; فإذ من صلة أواب، والصافنات: جمع الصافن من الخيل، والأنثى: صافنة، والصافن منها عند بعض العرب: الذي يجمع بين يديه، ويثني طرف سنبك إحدى رجليه، وعند آخرين: الذي يجمع يديه. وزعم الفرّاء أن الصافن: هو القائم، يقال منه: صَفَنَتِ الخيلُ تَصْفِن صُفُونًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: (الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) قال: صُفُون الفرس: رَفْع إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: صَفَنَ الفرسُ: رفع إحدى يديه حتى يكون على طرف الحافر.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِذْ عُرِضَ
عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) يعني: الخيل، وصُفونها: قيامها وبَسْطها قوائمها.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: الصافنات، قال: الخيل.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) قال: الخيل أخرجها الشيطان لسليمان، من مرج من مروج البحر. قال: الخيل والبغال والحمير تَصْفِن، والصَّفْن (١)
أن تقوم على ثلاث، وترفع رجلا واحدة حتى يكون طرف الحافر على الأرض.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الصافنات: الخيل، وكانت لها أجنحة.
وأما الجياد، فإنها السِّراع، واحدها: جواد.
كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قاله. ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الجياد: قال: السِّراع.
وذُكر أنها كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة.
* ذكر الخبر بذلك:
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي، في قوله (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ) قال: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة.
وقوله (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) وفي هذا الكلام محذوف استغني بدلالة الظاهر عليه من ذكره: فَلَهِيَ عن الصلاة حتى فاتته، فقال: إني أحببت حب الخير. ويعني بقوله (فَقَالَ إِنِّي
(١) لم نجد" الصفن" بسكون الفاء مصدرا لصفنت الخيل، وإنما مصدره الصفون مثل جلس يجلس جلوسا، وهو القياس، لأن الفعل لازم، والصفن: مصدر للمعتدي.
أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) : أي المال والخيل، أو الخير من المال.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن السُّدِّيّ (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) قال: الخيل.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) قال: المال.
وقوله (عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) يقول: إني أحببت حب الخير حتى سهوت عن ذكر ربي وأداء فريضته. وقيل: إن ذلك كان صلاة العصر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) عن صلاة العصر.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) قال. صلاة العصر. حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبو زرعة، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا أبو صخر، أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول: سمعت أبا الصَّهباء البكري يقول: سألت عليّ بن أبي طالب، عن الصلاة الوسطى، فقال: هي العصر، وهي التي فُتِن بها سليمان بن داود.
وقوله (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) يقول: حتى توارت الشمس بالحجاب، يعني: تغيبت في مغيبها. كما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ميكائيل، عن داود بن أبي هند، قال: قال ابن مسعود، في قوله (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) قال: توارت الشمس من وراء ياقوتة خضراء، فخضرة السماء منها.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (حَتَّى تَوَارَتْ
بِالْحِجَابِ) حتى دَلَكَتْ براح. قال قتادة: فوالله ما نازعته بنو إسرائيل ولا كابروه، ولكن ولوه من ذلك ما ولاه الله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) حتى غابت.
وقوله (رُدُّوهَا عَلَيَّ) يقول: ردّوا عليّ الخيل التي عرضت عليّ، فشغلتني عن الصلاة، فكروها عليّ.
كما حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (رُدُّوهَا عَلَيَّ) قال: الخيل.
وقوله (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ) يقول: فجعل يمسح منها السوق، وهي جمع الساق، والأعناق.
واختلف أهل التأويل في معنى مسح سليمان بسوق هذه الخيل الجياد وأعناقها، فقال بعضهم: معنى ذلك أنه عقرها وضرب أعناقها، من قولهم: مَسَحَ علاوته: إذا ضرب عنقه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ) قال: قال الحسن: قال لا والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، قال قولهما فيه، يعني قتادة والحسن قال: فكَسَف عراقيبها، وضرب أعناقها.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ (فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ) فضرب سوقها وأعناقها.
حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وَفَقِهْتَ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَقُولُ؟ قَالَ: قل في أمان الله، قَلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى الله أو داود عليه الصلاة والسلام، إن الله تعالى جَمَعَ لَهُ النُّبُوَّةَ وَالْخِلَافَةَ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فِي كتابه فقال تعالى: يَا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الْآيَةَ وَقَالَ عِكْرِمَةُ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ يَوْمَ الْحِسَابِ بِمَا نَسُوا، وَقَالَ السُّدِّيُّ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا تَرَكُوا أَنْ يَعْمَلُوا لِيَوْمِ الْحِسَابِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَمَشَى على ظاهر الآية والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

[سورة ص (٣٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]

وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَا خَلَقَ الْخَلْقَ عَبَثًا وَإِنَّمَا خَلَقَهُمْ لِيَعْبُدُوهُ وَيُوَحِّدُوهُ ثُمَّ يَجْمَعُهُمْ يوم الْجَمْعِ فَيُثِيبُ الْمُطِيعَ وَيُعَذِّبُ الْكَافِرَ وَلِهَذَا قَالَ تبارك وتعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيِ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ بَعْثًا وَلَا مَعَادًا وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَ هَذِهِ الدَّارَ فَقَطْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَيْ وَيْلٌ لَهُمْ يَوْمَ مَعَادِهِمْ وَنَشُورِهِمْ مِنَ النَّارِ الْمُعَدَّةِ لَهُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ عز وجل من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين فقال تَعَالَى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
أَيْ لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ دَارٍ أُخْرَى يُثَابُ فِيهَا هَذَا الْمُطِيعُ وَيُعَاقَبُ فِيهَا هَذَا الْفَاجِرُ وَهَذَا الْإِرْشَادُ يَدُلُّ على الْعُقُولَ السَّلِيمَةَ وَالْفِطَرَ الْمُسْتَقِيمَةَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعَادٍ وَجَزَاءٍ فَإِنَّا نَرَى الظَّالِمَ الْبَاغِيَ يَزْدَادُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ وَنَعِيمُهُ وَيَمُوتُ كَذَلِكَ وَنَرَى الْمُطِيعَ الْمَظْلُومَ يَمُوتُ بِكَمَدِهِ فَلَا بُدَّ فِي حِكْمَةِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ الْعَادِلِ الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِنْصَافِ هَذَا مِنْ هَذَا، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ هَذَا فِي هَذِهِ الدَّارِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ هُنَاكَ دَارًا أُخْرَى لِهَذَا الْجَزَاءِ وَالْمُوَاسَاةِ.
وَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ يُرْشِدُ إِلَى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة قال تَعَالَى:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ أَيْ ذَوُو الْعُقُولِ وَهِيَ الْأَلْبَابُ جَمْعُ لُبٍّ وَهُوَ الْعَقْلُ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَاللَّهِ مَا تَدَبَّرَهُ بِحِفْظِ حُرُوفِهِ وَإِضَاعَةِ حُدُودِهِ حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ مَا يُرَى لَهُ الْقُرْآنُ فِي خُلُقٍ وَلَا عَمَلٍ، رواه ابن أبي حاتم.

[سورة ص (٣٨) : الآيات ٣٠ الى ٣٣]

وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا أَنَّهُ وَهَبَ لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ أي نبيا كما قال عز وجل: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [النَّمْلِ: ١٦] أَيْ فِي النُّبُوَّةِ وَإِلَّا فَقَدَ كَانَ لَهُ بَنُونَ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ عِنْدَهُ مِائَةُ امرأة حرائر.
وقوله تعالى: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ثَنَاءٌ عَلَى سُلَيْمَانَ بِأَنَّهُ كَثِيرُ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عمرو بن خالد حدثنا الوليد حدثنا ابن جابر حدثنا مكحول قال لما وهب الله تعالى لداود سليمان قَالَ لَهُ يَا بُنَيَّ مَا أَحْسَنُ؟ قَالَ سَكِينَةُ اللَّهِ وَإِيمَانٌ؟ قَالَ فَمَا أَقْبَحُ؟ قَالَ كَفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ قَالَ فَمَا أَحْلَى، قَالَ رَوْحُ اللَّهِ بَيْنَ عِبَادِهِ قَالَ فَمَا أَبْرَدُ؟ قَالَ عَفْوُ اللَّهِ عَنِ النَّاسِ وَعَفْوُ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ قَالَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فأنت نبي.
وقوله تعالى: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ أَيْ إذ عرض على سليمان عليه الصلاة والسلام فِي حَالِ مَمْلَكَتِهِ وَسُلْطَانِهِ الْخَيْلُ الصَّافِنَاتُ قَالَ مُجَاهِدٌ وَهِيَ الَّتِي تَقِفُ عَلَى ثَلَاثٍ وَطَرَفِ حَافِرِ الرَّابِعَةِ وَالْجِيَادُ السِّرَاعُ وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التيمي في قوله عز وجل: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ قَالَ كَانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا ذَاتَ أَجْنِحَةٍ كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ أَخْبَرَنِي إِسْرَائِيلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ كَانَتِ الْخَيْلُ الَّتِي شَغَلَتْ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِشْرِينَ أَلْفَ فَرَسٍ فَعَقَرَهَا وَهَذَا أَشْبَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ «٢» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يحيى بن أيوب حدثنا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا «٣» سَتْرٌ فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السَّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لعائشة رضي الله عنها لعب فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا هَذَا يَا عائشة؟» قالت رضي الله عنها بَنَاتِي وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رقاع «٤» فقال صلى الله عليه وسلم: «ما هذا الذي أرى وسطهن؟» قالت رضي الله عنها فرس، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وما هذا الذي عليه؟» قالت رضي الله عنها جناحان قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فرس له جناحان؟» قالت رضي الله عنها أما سمعت أن سليمان عليه الصلاة والسلام كانت له خيل لها أجنحة قالت رضي الله عنها فضحك ﷺ حتى رأيت نواجذه.
(١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٧٨.
(٢) كتاب الأدب باب ٥٤. [.....]
(٣) السهودة: بيت صغير منحدر في الأرض قليلا، شبيه بالمخدع والخزانة، وقيل: هو كالصفة تكون بين يدي البيت، وقيل: شبيه بالرف أو الطاق يوضع فيه الشيء.
(٤) جناحان من رقاع: أي جناحان من جلد.
وقوله تبارك وتعالى: فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِعَرْضِهَا حَتَّى فَاتَ وَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهَا عَمْدًا بَلْ نِسْيَانًا كَمَا شُغِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى صَلَّاهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وجه من ذلك عن جابر رضي الله عنه قَالَ جَاءَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كفار قريش ويقول يا رسول الله مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» فَقَالَ: فَقُمْنَا إِلَى بطحان «١» فتوضأ نبي الله ﷺ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ «٢».
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ سَائِغًا فِي مِلَّتِهِمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِعُذْرِ الْغَزْوِ وَالْقِتَالِ، وَالْخَيْلُ تُرَادُ لِلْقِتَالِ وَقَدِ ادَّعَى طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْرُوعًا فَنُسِخَ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ وَالْمُضَايَقَةِ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ صَلَاةٌ وَلَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي فَتْحِ تُسْتَرَ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مَكْحُولٍ والأوزاعي وغيرهما والأول أقرب لأنه قال بعده رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ قَالَ الحسن البصري: لا، قال: وَاللَّهِ لَا تَشْغَلِينِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي آخِرَ مَا عَلَيْكِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُقِرَتْ وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ:
ضَرَبَ أَعْنَاقَهَا وَعَرَاقِيبَهَا بِالسُّيُوفِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عباس رضي الله عنهما جَعَلَ يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبُهَا حِبَالُهَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ «٣» قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَ حَيَوَانًا بِالْعَرْقَبَةِ وَيُهْلِكَ مَالًا مِنْ مَالِهِ بِلَا سَبَبٍ سِوَى أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَنْ صِلَاتِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا وَلَا ذَنْبَ لَهَا وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُ مِثْلِ هَذَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ غَضَبًا لِلَّهِ تعالى بِسَبَبِ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَ عَنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى عوضه الله عز وجل مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَهِيَ الرِّيحُ الَّتِي تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ فَهَذَا أَسْرَعُ وَخَيْرٌ مِنَ الْخَيْلِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «٤» : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ
(١) بطحان: واد بالمدينة.
(٢) أخرجه البخاري في المواقيت باب ٣٦، ٣٩، والخوف باب ٤، والمغازي باب ٢٩، ومسلم في المساجد حديث ٢٠٩، والترمذي في الصلاة باب ١٨، والنسائي في السهو باب ١٠٥.
(٣) تفسير الطبري ١٠/ ٥٧٩.
(٤) المسند ٥/ ٧٨، ٧٩.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
لما أثنى تعالى على داود، وذكر ما جرى له ومنه، أثنى على ابنه سليمان عليهما السلام فقال :﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ أي : أنعمنا به عليه، وأقررنا به عينه.
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ سليمان عليه السلام، فإنه اتصف بما يوجب المدح، وهو ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي : رجَّاع إلى اللّه في جميع أحواله، بالتأله والإنابة، والمحبة والذكر والدعاء والتضرع، والاجتهاد في مرضاة اللّه، وتقديمها على كل شيء.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٣٠ - ٤٠} ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ * وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
لما أثنى تعالى على داود، وذكر ما جرى له ومنه، أثنى على ابنه سليمان عليهما السلام فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ أي: أنعمنا به عليه، وأقررنا به عينه.
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ سليمان عليه السلام، فإنه اتصف بما يوجب المدح، وهو ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي: رجَّاع إلى الله في جميع أحواله، بالتأله والإنابة، والمحبة والذكر والدعاء والتضرع، والاجتهاد في مرضاة الله، وتقديمها على كل شيء.
ولهذا، لما عرضت عليه الخيل الجياد السبق الصافنات أي: التي من وصفها الصفون، وهو رفع إحدى قوائمها عند الوقوف، وكان لها منظر رائق، وجمال معجب، خصوصا للمحتاج إليها كالملوك، فما زالت تعرض عليه حتى غابت الشمس في الحجاب، فألهته عن صلاة المساء وذكره.
فقال ندما على ما مضى منه، وتقربا إلى الله بما ألهاه عن ذكره، وتقديما لحب الله على حب غيره: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ وضمن ﴿أحببت﴾ معنى ﴿آثرت﴾ أي: آثرت حب الخير، الذي هو المال عموما، وفي هذا الموضع المراد الخيل ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾
-[٧١٣]-
﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ فردوها ﴿فَطَفِقَ﴾ فيها ﴿مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ أي: جعل يعقرها بسيفه، في سوقها وأعناقها.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ابتليناه واختبرناه بذهاب ملكه وانفصاله عنه بسبب خلل اقتضته الطبيعة البشرية، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ أي: شيطانا قضى الله وقدر أن يجلس على كرسي ملكه، ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان، ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ سليمان إلى الله تعالى وتاب.
فـ ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ فاستجاب الله له وغفر له، ورد عليه ملكه، وزاده ملكا لم يحصل لأحد من بعده، وهو تسخير الشياطين له، يبنون ما يريد، ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر والحلي، ومن عصاه منهم قرنه في الأصفاد وأوثقه.
وقلنا له: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ فَقَرَّ به عينا ﴿فَامْنُنْ﴾ على من شئت، ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ من شئت ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حساب، لعلمه تعالى بكمال عدله، وحسن أحكامه، ولا تحسبن هذا لسليمان في الدنيا دون الآخرة، بل له في الآخرة خير عظيم.
ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: هو من المقربين عند الله المكرمين بأنواع الكرامات لله.

فصل فيما تبين لنا من الفوائد والحكم في قصة داود وسليمان عليهما السلام


فمنها: أن الله تعالى يقص على نبيه محمد ﷺ أخبار من قبله، ليثبت فؤاده وتطمئن نفسه، ويذكر له من عباداتهم وشدة صبرهم وإنابتهم، ما يشوقه إلى منافستهم، والتقرب إلى الله الذي تقربوا له، والصبر على أذى قومه، ولهذا - في هذا الموضع - لما ذكر الله ما ذكر من أذية قومه وكلامهم فيه وفيما جاء به، أمره بالصبر، وأن يذكر عبده داود فيتسلى به.
ومنها: أن الله تعالى يمدح ويحب القوة في طاعته، قوة القلب والبدن، فإنه يحصل منها من آثار الطاعة وحسنها وكثرتها، ما لا يحصل مع الوهن وعدم القوة، وأن العبد ينبغي له تعاطي أسبابها، وعدم الركون إلى الكسل والبطالة المخلة بالقوى المضعفة للنفس.
ومنها: أن الرجوع إلى الله في جميع الأمور، من أوصاف أنبياء الله وخواص خلقه، كما أثنى الله على داود وسليمان بذلك، فليقتد بهما المقتدون، وليهتد بهداهم السالكون ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾
ومنها: ما أكرم الله به نبيه داود عليه السلام، من حسن الصوت العظيم، الذي جعل الله بسببه الجبال الصم، والطيور البهم، يجاوبنه إذا رجَّع صوته بالتسبيح، ويسبحن معه بالعشي والإشراق.
ومنها: أن من أكبر نعم الله على عبده، أن يرزقه العلم النافع، ويعرف الحكم والفصل بين الناس، كما امتن الله به على عبده داود عليه السلام.
ومنها: اعتناء الله تعالى بأنبيائه وأصفيائه عندما يقع منهم بعض الخلل بفتنته إياهم وابتلائهم بما به يزول عنهم المحذور، ويعودون إلى أكمل من حالتهم الأولى، كما جرى لداود وسليمان عليهما السلام.
ومنها: أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الخطأ فيما يبلغون عن الله تعالى، لأن مقصود الرسالة لا يحصل إلا بذلك، وأنه قد يجري منهم بعض مقتضيات الطبيعة من المعاصي، ولكن الله يتداركهم ويبادرهم بلطفه.
ومنها: أن داود عليه السلام، [كان] في أغلب أحواله ملازما محرابه لخدمة ربه، ولهذا تسور الخصمان عليه المحراب، لأنه كان إذا خلا في محرابه لا يأتيه أحد، فلم يجعل كل وقته للناس، مع كثرة ما يرد عليه من الأحكام، بل جعل له وقتا يخلو فيه بربه، وتقر عينه بعبادته، وتعينه على الإخلاص في جميع أموره.
ومنها: أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الحكام وغيرهم، فإن الخصمين لما دخلا على داود في حالة غير معتادة ومن غير الباب المعهود، فزع منهم، واشتد عليه ذلك، ورآه غير لائق بالحال.
ومنها: أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق سوء أدب الخصم وفعله ما لا ينبغي.
ومنها: كمال حلم داود عليه السلام، فإنه ما غضب عليهما حين جاءاه بغير استئذان، وهو الملك، ولا انتهرهما، ولا وبخهما.
ومنها: جواز قول المظلوم لمن ظلمه "أنت ظلمتني" أو "يا ظالم" ونحو ذلك أو باغ علي لقولهما: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾
ومنها: أن الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدر، جليل العلم، إذا نصحه أحد، أو وعظه، لا يغضب، ولا يشمئز، بل يبادره بالقبول والشكر، فإن الخصمين نصحا داود فلم يشمئز ولم يغضب ولم يثنه ذلك عن الحق، بل حكم بالحق الصرف.
ومنها: أن المخالطة بين الأقارب والأصحاب، وكثرة التعلقات الدنيوية المالية، موجبة للتعادي بينهم، وبغي بعضهم على بعض، وأنه لا يرد عن ذلك إلا استعمال تقوى الله، والصبر على الأمور، بالإيمان والعمل الصالح، وأن هذا من أقل شيء في الناس.
ومنها: أن الاستغفار والعبادة، خصوصا الصلاة، من مكفرات الذنوب، فإن الله، رتب مغفرة ذنب داود على استغفاره وسجوده.
ومنها: إكرام الله لعبده داود وسليمان، بالقرب منه، وحسن الثواب، وأن لا يظن أن ما جرى لهما منقص لدرجتهما عند الله تعالى، وهذا من تمام لطفه بعباده المخلصين، أنه إذا غفر لهم وأزال أثر ذنوبهم، أزال الآثار المترتبة عليه كلها، حتى ما يقع في -[٧١٤]- قلوب الخلق، فإنهم إذا علموا ببعض ذنوبهم، وقع في قلوبهم نزولهم عن درجتهم الأولى، فأزال الله تعالى هذه الآثار، وما ذاك بعزيز على الكريم الغفار.
ومنها: أن الحكم بين الناس مرتبة دينية، تولاها رسل الله وخواص خلقه، وأن وظيفة القائم بها الحكم بالحق ومجانبة الهوى، فالحكم بالحق يقتضي العلم بالأمور الشرعية، والعلم بصورة القضية المحكوم بها، وكيفية إدخالها في الحكم الشرعي، فالجاهل بأحد الأمرين لا يصلح للحكم، ولا يحل له الإقدام عليه.
ومنها: أنه ينبغي للحاكم أن يحذر الهوى، ويجعله منه على بال، فإن النفوس لا تخلو منه، بل يجاهد نفسه بأن يكون الحق مقصوده، وأن يلقي عنه وقت الحكم كل محبة أو بغض لأحد الخصمين.
ومنها: أن سليمان عليه السلام من فضائل داود، ومن منن الله عليه حيث وهبه له، وأن من أكبر نعم الله على عبده، أن يهب له ولدا صالحا، فإن كان عالما، كان نورا على نور.
ومنها: ثناء الله تعالى على سليمان ومدحه في قوله ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
ومنها: كثرة خير الله وبره بعبيده، أن يمن عليهم بصالح الأعمال ومكارم الأخلاق، ثم يثني عليهم بها، وهو المتفضل الوهاب.
ومنها: تقديم سليمان محبة الله تعالى على محبة كل شيء.
ومنها: أن كل ما أشغل العبد عن الله، فإنه مشؤوم مذموم، فَلْيُفَارِقْه ولْيُقْبِلْ على ما هو أنفع له.
ومنها: القاعدة المشهورة "من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه" فسليمان عليه السلام عقر الجياد الصافنات المحبوبة للنفوس، تقديما لمحبة الله، فعوضه الله خيرا من ذلك، بأن سخر له الريح الرخاء اللينة، التي تجري بأمره إلى حيث أراد وقصد، غدوها شهر، ورواحها شهر، وسخر له الشياطين، أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدر عليها الآدميون.
ومنها: أن تسخير الشياطين لا يكون لأحد بعد سليمان عليه السلام.
ومنها: أن سليمان عليه السلام، كان ملكا نبيا، يفعل ما أراد، ولكنه لا يريد إلا العدل، بخلاف النبي العبد، فإنه تكون إرادته تابعة لأمر الله، فلا يفعل ولا يترك إلا بالأمر، كحال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الحال أكمل.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٨٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
أَوَّابٌ
كَثِيرُ الرُّجُوعِ إِلَى اللِه بِالتَّوْبَةِ، وَالطَّاعَةِ.

إعراب الآية ٣٠ من سورة ص

من كتاب: إعراب القرآن

أيقن إلّا أن الفراء شرحه بأنه لا يجوز في المعاني أن يكون الظنّ بمعنى اليقين. وعن عمر بن الخطاب أنه قرأ أَنَّما فَتَنَّاهُ «١» بتشديد التاء والنون على التكثير، وعن قتادة أنه قرأه. إنما فتناه بتخفيفهما. فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً على الحال.

[سورة ص (٣٨) : آية ٢٥]

فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)
فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ في موضع نصب بغفرنا، ويجوز أن يكون في موضع رفع أي الأمر ذلك وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى. قال مجاهد عن عبيد بن عمر قال: الزلفى الدنو من الله جلّ وعزّ يوم القيامة.

[سورة ص (٣٨) : آية ٢٦]

يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦)
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ أي مكّنّاك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين. إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بفتح الياء بلا اختلاف فيها، وهو فعل لازم ولو ضممت الياء كان متعدّيا بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ أي تركوا العمل. يقال: نسي الشيء إذا تركه.

[سورة ص (٣٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]

وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)
وشرح هذا أنهم كانوا يقولون: ليست ثمّ عقوبة ولا نار فالكافر والعاصي يسعدان باللذات وغصب الأموال، والمظلوم يشقى، لأنهما يصيران إلى شيء واحد، فرد الله جل وعز هذا عليهم بأنه ما خلق السّماء والأرض وما بينهما باطلا لأن الذين ادعوه باطل وذلك منهم ظنّ وبيّن ذلك جلّ وعزّ بقوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ فكان في هذا ردّ على المرجئة لأنهم يقولون: يجوز أن يكون المفسد كالمصلح أو أرفع درجة منه، وبعده أيضا أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ.

[سورة ص (٣٨) : آية ٢٩]

كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ بمعنى هذا كتاب. مُبارَكٌ من نعته.

[سورة ص (٣٨) : آية ٣٠]

وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)
نِعْمَ الْعَبْدُ مرفوع بنعم.
(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٧٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ٣٠ من سورة ص

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

سُلَيْمَانَ نِعْمَ

ادغام النون في النون ادغاماً كبيراً

السوسي عن أبي عمرو

اظهار النون الأولى مفتوحة

خلف عن حمزة إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة قالون عن نافع حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ٣٠ من سورة ص

٥ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٦ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٥ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾، قال: الأواب: المُسَبِّح١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٨١.
٢
عن الحسن البصري -من طريق قتادة-: قال الله لنبيه ﷺ: ﴿ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب﴾، يعني: مطيعًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٢‏/‏٢٤١.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾، قال: كان مطيعًا لله، كثير الصلاة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٨١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾، قال: المُسبِّح١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٨١.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ﴾ ثم أثنى على سليمان، فقال سبحانه: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ وهذا ثناءٌ على عبده سليمان نعم العبد، ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ يعني: مطيع١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٦٤٣.

آثار متعلقة بالآية

قول واحد
١
عن مكحول الشامي، قال: لَمّا وهب اللهُ لداود سليمان قال له: يا بُنيّ، ما أحسن؟ قال: سكينة الله، والإيمان. قال: فما أقبح؟ قال: كُفرٌ بعد إيمان. قال: فما أحلى؟ قال: روح الله بين عباده. قال: فما أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس، وعفو الناس بعضُهم عن بعض. قال داود عليه السلام: فأنت نبيٌّ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏٥٥-٥٦-.
التفسير بالمأثور لسورة ص كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٣٠ من سورة ص

١٧ وقفةً في هذه الآية

  • (نعم العبد) (نعم أجر العاملين) (نعم الثواب) (فنعم عقبى الدار) لا يزال الله (يثني) و (يمدح)

    — عقيل الشمري

  • (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) إن لم تكن تزكيتك من السماء، فلن تنفعك من الناس تزكية وثناء!!

    — عايض المطيري

  • ﴿نعْمَ العبدُ إنه أَوَّابٌ﴾ ميزةٌ في نبي الله أيوب مدحه الله تعالى وأثنى عليه فيها أنه كثير الرجوع والإنابة إليه.

    — تأملات قرآنية

  • ﴿نِعم العبد إنه أوّاب﴾؛ ذكرها الله في موضعين: في سليمان الملك وأيوب الصابر؛ فسليمان لم يُشغله المُلك عن ذكر الله ولا أيوب أشغله البلاء.

    — فرائد قرآنية

  • (نعم العبد إنه أواب) مدحه الله بكثرة (أوبته وتوبته ورجوعه) عن خطئه. (المنقصة عند الناس قد تكون محمدة عند الله).

    — عقيل الشمري

  • من أعظم هبات الخالق ولد صالح "ووهبنا لداود سليمان".

    — مها العنزي

  • ﴿ووهبنا لداود سليمان (نعم العبد)﴾ مَلَك سليمان الدنيا كلها ولكن الثناء تجاهل كل هذا الحطام ليصل إلى ما هو أعظم منه (العبودية).

    — إبراهيم العقيل

  • ﴿ووهبنا لداود سليمان نعم العبد﴾ خيرُ الذُّرّية مَن حقق العبودية.

    — إبراهيم العقيل

  • "إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ" لو لم يجد الصابر على صبره إلا ثناء الله عليه لكفاه.

    — عبدالله محمد السنان

  • من أراد أن ينال ثناء الله؛ ليكثر التوبة إليه "ووهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ".

    — نوال العيد

  • أثنى الله على سليمان عليه السلام فقال عنه: ﴿نِعم العبد إنّه أوّاب﴾؛ الأوّاب كثير الاستغفار والعودة إلى الله..

    — فرائد قرآنية

  • في سورة البقرة ذكر داوود وسليمان عليهما السلام أول مرة في قوله تعالى : {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} ﴿١٠٢﴾ سورة البقرة وفي قوله تعالى: {فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّـهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّـهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} ﴿٢٥١﴾ سورة البقرة وهنا في سورة ص يذكران آخر مرة في القرآن ، ولا يذكران بعد ذلك .(في المطبوع 21/12928)

    — محمد متولي الشعراوي

و٥ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ٣٠ من سورة ص

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(30) And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال