وإذا كان الحق تعالى يعجل الخير ويمهل الشر، كان الواجب على العبد شكره على الدوام، لا الإعراض عنه ونسيانه، كما نبه عليه تعالى بقوله :
وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذالِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
قلت :( لجنبه ) : متعلق بحال محذوفة، أي : مضطجعاً لجنبه، و( كأن ) مخففة.
يقول الحق جل جلاله : وإذا مسَّ الإنسان الضُّرُّ في بدنه أو ماله أو أحبابه، دعانا لإزالته مخلصاً فيه، وتضرع إلينا حال كونه مضطجعاً لجَنْبِه أو قاعداً أو قائماً ، وفائدة الترديد تقسم الدعاء لجميع الأحوال أو لأصناف المضار، فلما كشفنا عنه ضُرَّه مرَّ أي : مضى على طريقه واستمر على كفره، ولم يشكر الله على دفعه، أو مرَّ عن موقف الدعاء، ولم يرجع إليه. كأن لم يَدْعُنَا أي : كأنه لم يدعنا إلى كشف ضُرّ مسَّهُ قط : نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ [ الزمر : ٨ ] كذلك زُيّنَ للمسرفين أي : مثل هذا التزيين زين للمسرفين ما كانوا يعلمون من الانهماك في الشهوات، والإعراض عن شكر المنعم عند المسرات وذهاب العاهات.
وفي الآية تهديد لمن تشبه بهذه الحالة، بل الواجب على العبد دوام التجائه إلى ربه، والشكر له عند ظهور إجابته وإسدال عافيته.
الإشارة : من حسن الأدب ؛ السكون تحت مجاري الأقدار، والتسليم لأحكام الواحد القهار، " فليس الشأن تُرزق الطلب، إنما الشأن أن تُرزق حسن الأدب "، وحسن الأدب : هو الفهم عن الله ؛ فإذا شرح صدرك للدعاء، فادع ولا تكثر، فإن المدعو قريب، ليس بغافل فيُنبه، ولا ببعيد فتنادي عليه، فإذا دعوته وأجابك فاشكره، وإن أخَّر عنك الإجابة فاصبر ؛ فقد ضمن الإجابة فيما يريد، لا فيما تريد، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي