ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

قوله تعالى: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ).
كأن الآية على الإخبار كأنه قال: ولو يعجل اللَّه للناس الشر إذا استعجلوه كما يعجل لهم الخير إذا استعجلوه - لقضي إليهم أجلهم، لأنه ليس يذكر في ظاهر الآية استعجالهم الشر إنما يذكر تعجيله، ولكن فيه ما ذكر من الإضمار إضمار الاستعجال، ومنه ما ذكر في غير آية من القرآن استعجالهم العذاب؛ كقوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) الآية.
وقولهم: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً) الآية، ونحو ذلك، كانوا يستعجلون العذاب استعجال تضرع، فيقول: لو عجل لهم العذاب إذا استعجلوه كما يعجل لهم الخير إذا استعجلوه - لقضي أجلهم، يقول: لهلكوا أو فنوا، هذا التأويل في أهل الكفر خاصة عند استعجالهم العذاب استعجال تضرع وسؤال، ويشبه أن يكون هذا في جملة الخلق على غير تصريح سؤال، ولكن عند ارتكابهم الشر بقوله: لو يعجل اللَّه للناس الشر باكتسابهم الشر وبارتكابهم إياه وقت اكتسابهم، كما يعجل لهم الخير، وقت اكتسابهم الخير - لقضي إليهم أجلهم، أي: لو عجل لهم جزاء شرهم وقت اكتسابهم الشر، كما يعجل لهم جزاء خيرهم، لكان ما ذكر ما يستوجبون بارتكابهم الشر وقت فعلهم إياه لقضي إليهم أجلهم، لكنه لم يعجل لهم ذلك وأخره إلى المدة التي جعل لآجالهم.
ويمكن وجه آخر: وهو ما يدعو بعضهم على بعض باللعن والخزي، يقول الرجل عند شدة الغضب: اللهم العن فلانا، اللهم أخزه، ونحو ذلك من الدعوات، يقول: لو عجل لهم هذا كما يعجل لهم عند دعاء بعضهم لبعض بالرحمة والسعة - لقضي إليهم أجلهم؛ لهلكوا وفنوا، ويكون ذلك انقضاء أجلهم، ويكون ذلك على وجوه ثلاثة.
أحدها: استعجال سؤال وتضرع، الذي ذكرنا.
والثاني: بأفعالهم وارتكابهم الشر وقت ارتكابهم.
والثالث: الأسباب التي بها يرتكبون ويفعلون.
وقوله: (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) يحتمل: لقضي أجلهم قبل المدة التي جعل لهم.

صفحة رقم 15

والثاني: لقضي أجلهم؛ أي: يجعل أجلهم ذلك، ففيه دلالة ألا يهلك أحد قبل أجله ولا يقدم ولا يؤخر، فهو ما ذكر: (لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).
هو ما ذكرنا أن من حكمه ألا يعاقب. أحدًا من الكفرة في الدنيا بصنيعه الذي صنع، وقد يعجل لهم جزاء خيراتهم في الدنيا؛ كما ساق إليهم من أنواع النعم، ولكن من حكمه أن يؤخر عقوبتهم إلى يوم القيامة؛ فذلك تأويله، واللَّه أعلم.
(فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) أي: نتركهم يترددون في أعمالهم، وجرمهم إلى الوقت الذي وعد لهم العذاب، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)
قال بعض أهل التأويل: إن جميع ما ذُكر في القرآن الإنسان فالمراد منه الكافر؛ من ذلك قوله: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) وقوله: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، ونحوه، لكن هذا لا نعلم أنه أراد به الكافر، فلئن كان ما ذكروا فإن أهل الإيمان يدخلون في هذا الخطاب، إذا كان منهم ما يكون من الكفرة؛ لأن من أهل الإيمان من يقبل على الدعاء والتضرع إلى اللَّه عند مس الحاجة والشدة، فإذا انجلى ذلك وانكشف عنه ترك ذلك الدعاء الذي كان دعا، وذلك التضرع الذي كان يتضرع إليه، فدخل في ذلك.

صفحة رقم 16

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية