وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ١١ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٢
هاتان الآيتان في بيان شأن من شؤون البشر وغرائزهم فيما يعرض لهم في حياتهم الدنيا من خير وشر، ونفع وضر، وشعورهم فيه بالحاجة إلى الله تعالى، واللجوء إلى دعائه لأنفسهم وعليها، واستعجالهم الأمور قبل أوانها، وهو تعريض بالمشركين وحجة على ما يأتون من شرك، وما ينكرون من أمر البعث، متمم لما قبله، ولذلك عطفه عليه.
وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً هذا بيان لغريزة الإنسان العامة، وشأنه فيما يمسه من الضر، يعلم منه أن استعجال أولئك الناس بالشر تعجيزا لنبيهم ومبالغة في تكذيبه إنما هو من طغيانهم الذي خرجوا فيه عن مقتضى طبيعتهم، فهو يقول : إن الإنسان إذا أصابه من الضر ما يشعر بشدة ألمه أو خطره- من إشراف على غرق وغيره من أنواع التهلكة، أو شدة مسغبة، أو إعضال داء- دعانا ملحا في كشفه عنه في كل حال يكون عليه : دعانا مضطجعا لجنبه، أو قاعدا في كسر بيته، أو قائما على قدميه حائرا في أمره، فهو لا ينسى حاجته إلى رحمة ربه، ما دام يشعر بمس الضر ولذعه له، ويعلم من نفسه العجز عن النجاة منه، قدّم من هذه الحالات الثلاث ما يكون الإنسان فيها أشد عجزا وأقوى شعورا بالحاجة إلى ربه، فالتي تليها، فالتي تليها، وثم حالة رابعة هي سعيه لدفع الضر من طريق الأسباب فلم تذكر ؛ لأن الإنسان غير المؤمن قلما يتذكر ما أودع في فطرته من الإيمان بربه - ذي السلطان الغيبي الذي هو فوق جميع الأسباب- ويشعر بحاجته إلى اللجوء إليه، ودعائه والاستغاثة به إلا عند عجزه عن الأسباب المسخرة له، والمشركون بالله تعالى أقل الناس تذكرا لذلك ؛ لأنهم عند عجزهم عن الأسباب العامة المعلومة يلجؤون إلى مظنة الأسباب الموهومة، وهي المخلوقات المعبودة التي يعتقدون أن لها سلطانا غيبيا فوق الأسباب من جنس سلطان الرب الخالق عز وجل، إما لذاتها وإما بما لها من المكانة عند الله، والمثل مضروب هنا لهؤلاء.
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كان الظاهر أن يقال :" فإذا كشفنا عنه ضره "، إذ هو المناسب للشرط في أول الآية، وهو في جنس الإنسان ومقتضى طبعه لا في فرد من أفراده، ونكتة هذا التعبير أن يتصور القارئ والسامع للآية كشف الضر بعد الدعاء واقعا مشاهدا من شخص معين، ويرى ما يفعل بعده لأنه أبلغ في العبرة، أي فلما كشفنا عند ضره - الذي دعانا له في حال شعوره بعجزه عن كشفه بنفسه وبغيره من الأسباب- مرّ ومضى في شؤونه على ما كان من طريقته في الغفلة عن ربه والكفر به، كأن الحال لم تتغير عليه، فلم يدعنا إلى ضر مسه، ولم نكشف عنه ضره.
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ كهذا النحو من معرفة الله والإخلاص في دعائه وحده في الشدة، ونسيانه والكفر به بعد كشفها، زين للمسرفين من طغاة مكة وغيرهم ما كانوا يعملون من أعمال الشرك، حتى بلغ من عنادهم للرسول صلى الله عليه وسلم واستهزائهم بما أنذرهم من عذاب أن استعجلوه بالعذاب، والإسراف رديف الطغيان وأخوه، وسيأتي مثل هذه الآية بعد عشر آيات ببيان أبلغ. وقد أسند التزيين هنا إلى المفعول ؛ لأنه المقصود بالعبرة دون فاعله. وسبق مثله في آل عمران والأنعام والتوبة، وقد أسند إلى الشيطان في سورة الأنعام والأنفال، وأسند إلى الله تعالى في الأنعام أيضا بقوله : زينا لكل أمة عملهم [ الأنعام : ١٠٨ ] وبينا في تفسير هذه نكتة اختلاف الإسناد في كل موضع ( راجع ج ٨ تفسير الطبعة الثانية ).
تفسير المنار
رشيد رضا