قوله تعالى: هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ : في «هنالك» وجهان، الظاهرُ بقاؤه على أصلِه مِنْ دلالته على ظرف المكان، أي: في ذلك
صفحة رقم 192
الموقفِ الدَّحْض والمكان الدَّهِش. وقيل: هو هنا ظرف زمان على سبيل الاستعارة، ومثله هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون [الأحزاب: ١١]، أي: في ذلك الوقت وكقوله:
| ٢٥٩٣ - وإذا الأمورُ تعاظَمَتْ وتشاكَلَتْ | فهناك يَعْترفون أينَ المَفْزَعُ |
وقرأ الأخَوان «تَتْلو» بتاءَيْن منقوطتين من فوق، أي: تطلُب وتتبَع ما أسلفَتْه مِنْ أعمالها، ومن هذا قوله:
| ٢٥٩٤ - إنَّ المُريبَ يَتْبَع المُريبا | كما رأيت الذِّيبَ يتلو الذِّيبا |
وقرأ الباقون: «تَبْلو» مِن البَلاء وهو الاختبار، أي: يَعْرف عملَها: أخيرٌ هو أم شر. وقرأ عاصم في روايةٍ «نبلو» بالنون والباءِ الموحدة، أي: نختبر نحن. و «كل» منصوب على المفعول به. وقوله: «وما أَسْلَفَتْ» على هذه القراءةِ صفحة رقم 193
يحتمل أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ الخافض، أي: بما أسْلَفَتْ، فلمَّا سقط الخافض انتصبَ مجرورُه كقوله:
| ٢٥٩٥ - تمرُّون الديار ولم تعوجوا | كلامُكمُ عليَّ إذنْ حَرامُ |
و «ما» يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً أو حرفيةً أو نكرةً موصوفة، والعائدُ محذوفٌ على التقدير/ الأول والآخِر دون الثاني على المشهور.
وقرأ ابن وثاب «ورِدُّوا» بكسر الراء تشبيهاً للعين المضعفة بالمعتلَّة، نحو: «قيل» و «بيع»، ومثله:
| ٢٥٩٦ - وما حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبا حُلَمائِنا | ........................ |
وقوله: إِلَى الله لا بدَّ من مضاف، أي: إلى جزاء الله، أو موقفِ جزائه. والجمهور على «الحق» جَرَّاً. وقرىء منصوباً على أحد وجهين: إمَّا القطعِ، وأصلُه أنه تابعٌ فقُطع بإضمارِ «أمدح» كقولهم: الحمدُ للَّهِ أهلِ الحمد «، وإمَّا أنه مصدر مؤكد لمضمونِ الجملةِ المتقدمةِ وهو وردوا إِلَى الله وإليه نحا الزمخشري، قال:» كقولك: «هذا عبد الله الحق لا الباطل» على صفحة رقم 194
التأكيد لقوله وردوا إِلَى الله. وقال مكي: «ويجوز نصبه على المصدر ولم يُقْرأ به»، قلت: كأنه لم يَطَّلِعْ على هذه القراءة.
وقوله: مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ «ما» تحتمل الأوجه الثلاثة.
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط