ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت( ١ ) وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون( ٣٠ ) :
وقوله الحق سبحانه : هنالك يعني : في هذا الوقت، أو في هذا المكان. والزمان والمكان هما ظرفا الحدث ؛ لأن كل فعل يلزم له زمان ومكان، فإن كان الزمان هو الغالب، فيأتي ظرف الزمان، وإذا كان المكان هو الغالب فيأتي ظرف المكان.
وجاءت هنالك أيضا في قصة سيدنا زكريا عليه السلام، إذ يقول الحق سبحانه : هنالك دعا زكريا ربه.. ( ٣٨ ) [ آل عمران ] : أي : في ذلك الوقت الذي قالت فيه مريم- رضي الله عنها- قولة أدت بها قضية اعتقادية إيمانية لكفيلها، وهو سيدنا زكريا عليه السلام وهو الذي يأتي لها بالطعام، وشاء لها الحق-سبحانه وتعالى- أن تعلمه هي. يقول سبحانه : كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا.. ( ٣٧ ) [ آل عمران ] : والرزق ما به انتفع، وكان زكريا-عليه السلام-يكفلها بكل شيء تحتاجه، لكنه فوجئ بوجود رزق لم يأت هو به ؛ بدليل أنه قال : أنى( ٢ ) لك هذا.. ( ٣٧ ) [ آل عمران ] : وهذه ملحظية ويقظة الكفيل حين يجد مكفوله يتمتع بما لم يأت به. وهذه هي قضية " من أين لك هذا ؟ "، وهي قضية الكفيل العام للمجتمع حين يرى واحدا يتمتع بما لا تؤهله له حركته في الحياة، وبذلك يكتشف مختلس الانتفاع بما يخص الغير دون أن يعرف كافله، ولو أن كافله أصر على معرفة من أين تأتي مصادر دخله ؛ لحمي المجتمع من الفساد.
وانظر إلى جواب مريم عليها السلام على قول زكريا عليه السلام الذي ذكره رب العزة سبحانه : أنى لك هذا.. ( ٣٧ ) [ آل عمران ]، قالت مريم : هو من عند الله.. ( ٣٧ ) [ آل عمران ]، ثم تعلل الجواب : إن الله يرزق من يشاء بغير حساب( ٣ ).. ( ٣٧ ) [ آل عمران ] : قالت ذلك ؛ لأنه وجد عندها أشياء لا توجد في مثل هذا الوقت من السنة، فعجب سيدنا زكريا عليه السلام-إذن- كان من أمرين اثنين : شيء لم يأت هو به، وشيء مخالف للفترة التي هو فيها، كأن وجد عندها عنب في زمن غير أوانه، أو وجد عندها برتقالا في غير أوانه( ٤ )، وسؤاله كان دليل يقظة الكفيل، وإجابتها كانت قضية إيمانية عقدية إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.. ( ٣٧ ) [ آل عمران ] : وما دام من عند الله -سبحانه وتعالى- ما طرح حسابك أنت للأشياء في ضوء هذه القضية.
ولكن هل غفل سيدنا زكريا-عليه السلام- عن قضية الإيمان بأن الله تعالى يرزق من يشاء بغير حساب ؟ فنقول : لا، لم يغفل عنها، ولكنها لم تكن في بؤرة شعوره حينئذ ؛ فجاءت بها قولة السيدة مريم لتذكر بهذه القضية، وهنا تذكر زكريا نفسه، كرجل بلغ من الكبر عتيا( ٥ )، وامرأته عاقر، وما دام الله سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب، فليس من الضروري أن يكون شابا أو تكون زوجته صغيرة لينجب، فجاء الحق معبرا عن خاطر زكريا في قوله : هنالك دعا زكريا ربه.. ( ٣٨ ) [ آل عمران ] : أي : في هذا الوقت أو ذلك المكان، أو في الاثنين معا زمانا ومكانا، وهنا جاءته الإجابة من ربه سبحانه وتعالى : قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا.. ( ٩ ) [ مريم ] : وقد جاء الحق سبحانه بهذه القضية ليمنع أي ظان من أن يسئ الظن بعفة مريم عليها السلام ؛ لأنها في موقف اللجوء فأنطقها الحق بقوله : يرزق من يشاء بغير حساب.. ( ٣٧ ) [ آل عمران :]ومادام الرزق بغير حساب وفي غير وقته وغير مكانه وبلا سبب وبغير علم كافلها، فعند ذلك تحقق اللجوء إلى الله بالقبول الحسن الذي دعت به امرأة عمران : وإني أعيدها بك وذريتها من الشيطان الرجيم( ٣٦ ) فتقبلها ربها بتقبل حسن( ٦ ) وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا.. ( ٣٧ ) [ آل عمران ].
ويطبقها زكريا عليه السلام على نفسه، ثم تتعرض هي لها، حين يبشرها الحق سبحانه بغلام اسمه المسيح عيسى ابن مريم- عليهما السلام.
فهي ستلد من غير أن يمسسها ذكر، وهي تعلم أن الأسباب جارية في أنه لا يوجد تناسل ألا بوجود ذكر وأنثى وشاء الحق سبحانه أن يقدر لها أن تلد دون هذه العملية، فجاء سبحانه بتلك المقدمة على لسانها إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.. ( ٣٧ ) [ آل عمران ].
وحين تساءلت : رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر.. ( ٤٧ ) [ آل عمران ]، جاءتها الإجابة بأن اسمه المسيح عيسى ابن مريم، يقول سبحانه : إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم.. ( ٤٥ ) [ أل عمران ] : فبيقظتها الإيمانية فطنت إلى هذا الطفل سينسب إلى أمه ؛ فعرفت أن أباه ملغى ؛ وأدركت أن هذا الولد لن يأتي نتيجة زواج ولو فيما بعد، وبذلك كان عليها أن تعود إلى القضية الإيمانية التي ذكرتها : إن الله يرزق من يشاء بغير حساب( ٣٧ ) [ آل عمران ] : وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه : هناك تبلوا كل نفس ما أسلفت.. ( ٣٠ ) [ يونس ] : أي : في ذلك الوقت تختبر كل نفس، وترى هل الجزاء طيب أم لا ؟ فإن كانت قد عملت الشر ؛ فستجد الجزاء شرا.
إذن : فالإنسان وقت النتائج يختبر نفسه بما كان منه.
ثم يقول الحق سبحانه : وردوا إلى الله مولاهم( ٧ ) الحق.. ( ٣٠ ) [ يونس ] : وكأنهم كانوا في الدنيا عند مولى آخر غير الإله الحق سبحانه، والمولى غير الحق هو الشريك أو الشركاء الذين اتخذتهم بعض الناس موالي لهم، وهنا في اليوم الآخر يردون إلى الإله الحق والمولى الحق سبحانه.
وكلمة " ردوا إلى كذا " لا تدل على أنهم كانوا مع الضد، وجاءوا له، بل تدل على أنهم كانوا معه أولا، ثم ذهبوا إلى الضد، ثم ردوا أليه ثانيا، مثل قوله سبحانه عن موسى عليه السلام : فرددناه إلى أمه.. ( ١٣ ) [ القصص ] : فدلت على أنه كان مع أمه، ثم فارقها، ثم رد إليها.
وقوله الحق سبحانه هنا : وردوا إلى الله مولاهم ( ٨ )الحق.. ( ٣٠ ) [ يونس ] : أي : أنهم كانوا مع الله أولا، ثم أخذهم الشركاء، وفي هذا اليوم الآخر يرجعون لربهم سبحانه.
والإنسان يكون مع ربه أولا بالفطرة التكوينية المؤمنة، ثم يتجه به أبواه إلى المجوسية أو أي ديانة أخرى تحمل الشرك بالله( ٩ )، وهم في ظل تلك الديانات المشركة، كانوا عند مولى وسيد وآمر ومشرع، ولكنه مولى غير حق ؛ لأن الحق هو الثابت الذي لا تدركه الأغيار.
هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت.. ( ٣٠ ) [ يونس ] : أي : عرفت كل نفس ما فعلت، ويعرف كل إنسان بفضيحته في جزئيات ذاته، وكذلك الفضيحة العامة لكل إنسان أشرك بالله سبحانه.
ثم يقول الحق سبحانه : وضل عنهم ما كانوا يفترون( ٣٠ ) [ يونس ] : أي : أن الآلهة التي عبدوها لا تتعرف إلى أمكنتهم ومواقعهم، وأنهم في خطر ؛ فتأخذ بأيديهم ؛ لأن هذه الآلهة لا علم لها بهم، ولو أن هذه الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله-سبحانه- على شيء من الحق ؛ ووجدوهم في مأزق ؛ لكان يجب أن يدافعوا عنهم، لكنهم لم يعرفوا أماكنهم وضل عنهم ما كانوا يفترون.. ( ٣٠ ) [ يونس ] : أي : ما كانوا يكذبونه كذبا متعمدا.
٢ أنى لك هذا؟: كيف ومن أين لك هذا؟.
٣ لله في عطائه رزق بحساب، ورزق بغير حساب، فرزق الحساب بقدر ما تقدمه من خير وعمل صالح، يقاس العطاء بمقياس العدل الإلهي. أما الرزق الذي يغير حساب فهو رزق الذين وهبوا كلياتهم على الكل المطلققل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين(١٦٢)[الأنعام]. إذن: فكون الرزق هنا بلا حد مصداقا لقوله تعالى:زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب(٢١٢)[البقرة] لأن الإمام العارف قال: من دخل على الله بحساب أعطاه بحساب، ومن دخل عليه بغير حساب أعطاه بغير حساب..
٤ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا..(٣٧)[آل عمران] قال مجاهد وعكرمة وآخرون: يعني: وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. وهذا فيه دلالة على كرامات الأولياء [تفسير ابن كثير: ١/٣٦٠]..
٥ تا الشيخ عتيا وعتيا وعتيا: كبر وأسن.[اللسان: مادة (عتى)]..
٦ تقبل الشيء وقبوله دليل على أخذ الشيء برضا، فأنت قد تأخذ بكره أو على مضض، إما أن تتقبل فذلك الأخذ بقبول ورضا. إما القبول الحسن فهو زيادة في الرضا..
٧ المولى: النصير والولي الذي يلي عليك أمرك، ولا يليك إلا من هو قريب منك، وهو الناصر والمعين الذي تفزع إليه في شدائدك..
٨ قال تعالى هنا:وردوا إلى الله مولاهم الحق...(٣٠) [يونس] فأثبت أن الله هو مولاهم الحق، وقال في آية أخرى:وأن الكافرين لا مولى لهم..(١١)[محمد]. فهو سبحانه ليس مولى لهم في النصرة والمعونة، بل هو مولى لهم في الرزق وإدرار النعم..
٩ تقبل عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصراه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم قال:فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم..(٣٠) [الروم]. متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٤٧٧٥) ومسلم(٢٦٥٨)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي