ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

قوله تعالى : هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ الآية.
في " هُنالِكَ " وجهان :
أظهرهما : بقاؤه على أصله، من دلالته على ظرف المكان، أي : في ذلك الموقف الدَّحض، والمكان الدَّهش. وقيل : هو هنا ظرف زمان على سبيل الاستعارة، ومثله هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون [ الأحزاب : ١١ ]، أي : في ذلك الوقت ؛ وكقوله :[ الكامل ]
وإذَا الأمُورُ تَعاظَمَتْ وتَشاكَلَتْ *** فهُناكَ يَعْترِفُون أيْنَ المفْزعُ١
وإذا أمكن بقاء الشيء على موضوعه، فهو أولى.
وقرأ الأخوان٢ " تَتْلُو " بتاءين منقوطتين من فوق، أي : تطلب وتتبع ما أسلفته من أعمالها، ومن هذا قوله :[ الرجز ]
إنَّ المُريبَ يتْبَعُ المُرِيبَا *** كَمَا رَأيْتَ الذِّيبَ يتلُو الذِّيبَا٣
أي : يتبعه ويتطلَّبه، ويجوز أن يكون من التلاوة المتعارفة، أي : تقرأ كلُّ نفس ما عملته مسطَّراً في صحف الحفظة، لقوله - تعالى - : يا ويلتنا مَا لهذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا [ الكهف : ٤٩ ]، وقوله : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً [ الإسراء : ١٣ ].
وقرأ الباقون :" تَبْلُوا " من البلاء، وهو الاختبار، أي : يعرف عملها : أخيرٌ هو أم شر، وقرأ عاصم في رواية " نَبلو " ٤ بالنُّون والباء الموحَّدة، أي : نَخْتَبر نحنُ، و " كُلَّ " منصُوب على المفعول به، وقوله " مَا أسْلفَتْ " على هذا القراءة يحتمل أن يكون في محلِّ نصبٍ، على إسقاطِ الخافض، أي : بما أسْلفَتْ، فلمَّا سقط الخافض، انتصب مَجْرُوره ؛ كقوله :[ الوافر ]
تَمُرُّونَ الدِّيارَ فَلَمْ تَعُوجُوا *** كلامُكُمُ عليَّ إذنْ حَرَامُ٥
ويحتمل أن يكون منصوباً على البدل من " كُلُّ نَفْسٍ " ويكون من بدل الاشتمال. ويجُوزُ أن يكون " نَبْلُو " من البلاء، وهو العذاب. أي : نُعَذبها بسبب ما أسلفت، و " مَا " يجوز أن تكون موصولةً اسمية، أو حرفية، أو نكرة موصوفة، والعائدُ محذوفٌ على التقدير الأول، والآخر دون الثاني على المَشْهُور.
وقرأ ابنُ٦ وثَّاب :" وَرِدُّوا " بكسر الرَّاء، تشبيهاً للعين المضعفة بالمعتلَّة، نحو :" قيل " و " بيع "، ومثله :[ الطويل ]
ومَا حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبَا حُلمائِنَا ***. . . ٧
بكسر الحاء، وقد تقدَّم بيانُ ذلك [ البقرة : ١١ ].
قوله :" إِلَى الله " لا بُدَّ من مضاف، أي : إلى جزاءِ الله، أو موقف جزائه.
والجمهور على " الحقِّ " جرًّا، وقرئ٨ منصوباً على أحد وجهين :
إمَّا القطع، وأصله أنَّه تابعٌ، فقطع بإضمار " أمدح "، كقولهم : الحمدُ لله أهل الحمد.
وإمَّا أنَّه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمونِ الجملة المتقدمة، وهو " رُدُّوا إلى الله " وإليه نحا الزمخشريُّ. قال : كقولك :" هذا عبدُ الله الحَقُّ، لا الباطل " على التَّأكيد ؛ لقوله :" رُدُّوا إلى اللهِ ".
وقال مكِّي :" ويجوزُ نصبهُ على المصدر، ولم يُقرأ به "، وكأنَّه لم يطلع على هذه القراءة، وقوله :" مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ " " مَا " تحتمل الأوجُه الثلاثة.
المعنى :" هُنالِكَ " : في ذلك الوقت، " نَبْلُو " أي : نختبر، والمعنى : يفعلُ بها فعل المختبر، وعلى القراءة الأخرى : أنَّ كلَّ نفس نختبر أعمالها، في ذلك الوقت.
وردوا إِلَى الله أي : رُدُّوا إلى جزاءِ الله، قال ابن عبَّاسٍ :" مولاهُمُ الحقّ " أي : الذي يجازيهم بالحق، وقيل : جعلوا ملجئين إلى الإقرار بإلاهيته، مَوْلاَهُمُ الحق أي أعرضوا عن المولى الباطل، ورجعوا إلى المولى الحق، وقد تم تفسير مولاهم الحق [ الأنعام : ٦٢ ] في الأنعام. " وضلَّ عَنْهُم " : زال وبطل، " مَّا كانُوا يفْتَرون " أي : يعبدون، ويعتقدُون أنهم شفعاء، فإن قيل : قد قال : وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ [ محمد : ١١ ]، قيل : المولى هناك هو الناصر، وههنا بمعنى الملك.

١ تقدم..
٢ ينظر: السبعة ص (٣٢٥)، الحجة ٤/٢٧١، حجة القراءات ص (٣٣١)، إعراب القراءات ١/٢٦٧، إتحاف فضلاء البشر ٢/١٠٨-١٠٩..
٣ ينظر البيتان في البحر المحيط ٥/١٥٥، القرطبي ٨/٢١٣، والدر المصون ٤/٢٨..
٤ ينظر: البحر المحيط ٥/١٥٥، الدر المصون ٤/٢٩..
٥ تقدم..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٣/١١٧، البحر المحيط ٥/١٥٥، الدر المصون ٤/٢٩..
٧ تقدم..
٨ ينظر: الكشاف ٢/٣٤٤، البحر المحيط ٥/١٥٥، الدر المصون ٤/٢٩..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية