هنالك تَبْلُو : في ذلك المقام تبلو كلُّ نفس ما أسلفتْ أي : تختبر ما قدمت من الأعمال خيراً أو شراً ؛ فتعاين نفعه وضرره، وقرأ الأخوان :" تتلو " من التلاوة، أي : تقرأه في صحائف أعمالها، أو من التلوِ، أي : تتبع عملها فتقودها إلى الجنة أو النار. والمعنى : تفعل بها فعل المختبر لحالها المعرّف لسعادتها وشقاوتها، فتعرف ما أسلفت من أعمالها، ورُدُّوا إلى الله : إلى جزائه إياها بما أسلفوا، مولاهُمُ الحقّ أي : متولِّي أمورهم على الحقيقة، لا ما اتخذوه مَولى بافترائهم، وضلَّ أي : ضاع وغاب عنهم ما كانوا يفترون من أن آلهتهم تشفع لهم، أو كانوا يدّعون أنها آلهة.
الإشارة : من أحب شيئاً كان عبداً له، ومن عبد شيئاً حُشر معه. رُوي : أن الدنيا تبعث على صورة عجوز شمطاء زرقاء، تنادي : أين أولادي وأحبابي ؟ ثم تذهب إلى جهنم فيذهبون معها. فمن عبد دنياه وهواه وقف موقف الهوان، ومن أحب مولاه ولم يحب معه شيئاً سواه، وقف موقف العز والتقريب في مواطن الإحسان. فهناك تفضح السرائر، وتكشف الضمائر، وتظهر مقامات الرجال، ويفتضح من أسر النقص وادعى الكمال فيرتفع المقربون إلى شهود مولاهم الحق، ويبقى المدعون مع حظوظهم في حجاب الحس والخلق. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي