ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ

٧١٨- قرأت القراء إلا أبا عمرو١ : حاش لله ، والحذف في الحروف ليس قياسا، وإنما هو في الأسماء نحو : " أخ " و " يد ". أو في الأفعال نحو : " لم يك " " لم أدر "، وهو قول قوي يؤيده٢. وقال أبو إسحاق٣ : " حاشا لله " في معنى : " براءة لله "، من قولهم : " كنت في حشى فلان " أي : في ناحيته، فمعنى : " حاشى لزيد " : تباعد فعله وصار في حشى منه "، أي في ناحيته، كما أنك إذا قلت : " قد تنحى " معناه : صار في ناحيته منه " ٤. قال الشاعر :
بأي الحشى أمسى الخليط المباين.
أي : من ناحية. ( الاستغناء : ٤٢ ).
٨ : ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ٣١.
٧١٩- فيه : كيف صح سلب الحقيقة وهي البشرية عن يوسف عليه السلام وهو قطعا، مع أنه تقرر في كتب الفقه أن من علامة الحقيقة تعذر سلبها وعلامة المجاز صحة السلب : فمن رأى رجلا شجاعا وقال : " رأيت أسدا "، يمكن أن يقال : ما رأيت أسدا. ومن رأى أسدا – الذي هو الحيوان المفترس- لا يمكن أن يقال : ما رأى أسدا. وهاهنا قد سلبت الحقيقة فبطل ذلك الضابط ؟ وما المستثنى والمستثنى منه في هذه الآية ؟.
والجواب : أما قول الأصوليين : إن علاقة الحقيقة خاصتها تعذر السلب فكلام صحيح، وكيف يصح سلب الحقيقة وهو سلب الشيء عن نفسه، والشيء واجب الثبوت لنفسه عقلا، وما وجب عقلا استحال سلبه عقلا. ويكون الإنسان لا إنسان أو الجماد لا جماد، هذا محال عقلا.
وأما ما وقع فيه سلب الحقائق فيتعين تأويله، ووجبه تأويله في جميع موارده شيء واحد، وهو اعتبار صفة زائدة على الحقيقة منوية في النفس يقع السلب باعتبارها. فقوله تعالى : ما هذا بشرا ، أي : " ما كماله كمال البشر "، بل انضاف إليه أمور عظيمة من الكمالات حتى وصل بذلك إلى خير كمال الملائكة على وجه المبالغة، فيصير معنى الكلام : " ما هذا بشرا مقتصرا على بشريته "، فنفيت حقيقة البشرية لا من حيث ذاتها، بل من حيث الاقتصار على كمالها. ومن هذا الباب قوله عليه السلام : " ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ٥. مع أن الصرعة شديد قطعا، فكيف تنتفي الشدة عنه،
وإنما صح ذلك باعتبار إضمار الصفة، تقديره : " ليس الشديد الشدة النافعة عند الله تعالى بالصرعة ". فنفي الشدة لا من حيث ذاتها، بل من حيث أنها نافعة عند الله تعالى النفع البليغ. وكذلك حيث وجدت الحقائق منفية، فليس ذلك إلا باعتبار صفة مقدرة لا باعتبار الذوات من حيث ذوات، فبهذا أظهر الجمع بين قول الأصوليين وبين هذه المواضع. فتأمل ذلك فهو من دقائق علم البيان.
فإن قلت : فعلى هذا التقدير إذا كانت الصيغة منوية والسلب باعتبارها يكون اللفظ حقيقة لا مجازا، فإن اللفظ لم يتعرض لسلبها فيه قد استعمل لفظها فيها فهي حقيقة لا مجاز.
قلت : بل اللفظ مجاز، لأن لفظ الحقيقة قد أطلق على الحقيقة مع الوصف، وهو لم يوضع لهذا المجموع، فهو مستعمل في غير ما وضع له، فيكون مجازا، وليس اللفظ مستعملا في الحقيقة من حيث هي هي حتى تكون حقيقة، بل في المسمى مع ذلك الوصف المتخيل.
وأما المستثنى والمستثنى منه فكلها أحوال، تقديره : " أن يوسف عليه السلام لم يوجد في حالة البشرية المقتصر على كمالها ولا في حالة هي دونها، بل في الحالة التي هي تليق بالملائكة ". فالمستثنى منه أحوال، والمستثنى حال منها. ( نفسه : ٢٠٧ إلى ٢٠٩ ).

١ - هو زيان بن عمار التميمي، المازني، البصري، أبو عمرو، من أئمة اللغة وأحد القراء السبعة (ت: ١٥٤ هج) ن: وفيات الأعيان: ١/١٦٤..
٢ - قال مكي: "حجة من حذف الألف أنه جعل فعلا على (فاعل) (كقاض) على الحذف لحرف اللين... وحجة من أثبت الألف في الوصل أنه أتى بها على الأصل، وحذف الألف في الوقف لإتباع المصحف" ن: الكشف عن وجوه القراءات السبع: ٢/١٠..
٣ - هو إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج، عالم نحوي ولغوي (ت: ٣١١ هج) من مصنفاته: "معاني القرآن" و"الاشتقاق" و"الأمالي" ن: معجم الأدباء: ١/٤٧..
٤ - ن: معاني القرآن: ٣/١٠٦. بتصرف. يقال: "حاش لله" تنزيها له. ولا يقال: "حاش لك" قياسا عليه، وإنما يقال: حاشاك، وحاشى لك. ن: اللسان: ٦/١٩١..
٥ أخرجه احمد في مسنده: ١/٣٨٢. ومالك في موطئه، باب حسن الخلق، ح: ١٢..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير