ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ

فَلَمَّا سَمِعَتْ امرأة العزيز بِمَكْرِهِنَّ أي : بغيبهنّ إياها، سميت الغيبة مكراً لاشتراكهما في الإخفاء ؛ وقيل : أردن أن يتوسلن بذلك إلى رؤية يوسف، فلهذا سمي قولهنّ مكراً ؛ وقيل : إنها أسرّت عليهنّ فأفشين سرّها فسمي ذلك مكراً، أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ أي : تدعوهنّ إليها لينظرن إلى يوسف حتى يقعن فيما وقعت فيه وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ أي : هيأت لهن مجالس يتكئن عليها، وأعتدت من الاعتداد، وهو كل ما جعلته عدّة لشيء. وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير متكأ مخففاً غير مهموز، والمتك : هو الأترج بلغة القبط، ومنه قول الشاعر :

نشرب الإثم بالصواع جهاراً وترى المتك بيننا مستعارا
وقيل : إن ذلك هو لغة أزد شنوءة.
وقيل : حكي ذلك عن الأخفش. وقال الفراء : إنه ماء الورد. وقرأ الجمهور متكأ بالهمز والتشديد، وأصح ما قيل فيه إنه المجلس، وقيل : هو الطعام، وقيل : المتكأ : كل ما اتكىء عليه عند طعام أو شراب أو حديث. وحكى القتيبي أنه يقال : اتكأنا عند فلان، أي : أكلنا، ومنه قول الشاعر :
فظللنا بنعمةٍ واتكأنا وشربنا الحلال من قلله
ويؤيد هذا قوله : وآتت كل واحدة منهن سكيناً فإن ذلك إنما يكون لشيء يأكلنه بعد أن يقطعنه، والسكين تذكر وتؤنث، قاله الكسائي والفراء. قال الجوهري : والغالب عليه التذكير، والمراد من إعطائها لكل واحدة سكيناً : أن يقطعن ما يحتاج إلى التقطيع من الأطعمة، ويمكن أنها أرادت بذلك ما سيقع منهنّ من تقطيع أيديهنّ وقالت ليوسف اخرج عَلَيْهِنَّ أي : في تلك الحالة التي هنّ عليها من الاتكاء والأكل وتقطيع ما يحتاج إلى التقطيع من الطعام. قوله : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ أي : عظمنه، وقيل : أمذين، ومنه قول الشاعر :
إذا ما رأين الفحل من فوق قلة صهلن وأكبرن المنيّ المقطرا
وقيل : حضن. قال الأزهري :( أكبرن ) بمعنى حضن، والهاء للسكت ؛ يقال : أكبرت المرأة أي : دخلت في الكبر بالحيض، وقع منهنّ ذلك دهشاً وفزعاً لما شاهدنه من جماله الفائق، وحسنه الرائق، ومن ذلك قول الشاعر :
نأتي النساء على أطهارهنّ ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا
وأنكر ذلك أبو عبيدة وغيره، وقالوا : ليس ذلك في كلام العرب. قال الزجاج : يقال : أكبرنه ولا يقال : حضنه، فليس الإكبار بمعنى الحيض. وأجاب الأزهري فقال : يجوز أن تكون هاء الوقف لا هاء الكناية. وقد زيف هذا بأن هاء الوقف تسقط في الوصل. وقال ابن الأنباري : إن الهاء كناية عن مصدر الفعل أي : أكبرن إكباراً بمعنى حضن حيضاً وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ أي : جرحنها، وليس المراد به القطع الذي تبين منه اليد، بل المراد به : الخدش والحزّ، وذلك معروف في اللغة كما قال النحاس ؛ يقال : قطع يد صاحبه : إذا خدشها، وقيل : المراد بأيديهنّ هنا : أناملهنّ، وقيل : أكمامهنّ. والمعنى : أنه لما خرج يوسف عليهنّ أعظمنه ودهشن، وراعهنّ حسنه حتى اضطربت أيديهنّ فوقع القطع عليها، وهنّ في شغل عن ذلك، بما دهمهنّ، مما تطيش عنده الأحلام، وتضطرب له الأبدان، وتزول به العقول ( وقلن حاشا لله ) كذا قرأ أبو عمرو بن العلاء بإثبات الألف في حاشا. وقرأ الباقون بحذفها. وقرأ الحسن ( حاش لله ) بإسكان الشين. وروي عنه أنه قرأ ( حاش الإله ). وقرأ ابن مسعود وأبي ( حاشا الله ). قال الزجاج : وأصل الكلمة من الحاشية بمعنى الناحية، تقول كنت في حاشية فلان : أي في ناحيته، فقولك حاشا لزيد من هذا أي : تباعد منه. وقال أبو عليّ : هو من المحاشاة : وقيل : إن حاش حرف. وحاشا فعل، وكلام أهل النحو في هذه الكلمة معروف، ومعناها هنا التنزيه، كما تقول : أسى القوم حاشا زيداً، فمعنى حاشا لله : براءة لله وتنزيه له. قوله : مَا هذا بَشَرًا إعمال ( ما ) عمل ليس هي لغة أهل الحجاز، وبها نزل القرآن كهذه الآية، وكقوله سبحانه : مَّا هُنَّ أمهاتهم ، [ المجادلة : ٢ ]. وأما بنو تميم فلا يعملونها عمل ليس. وقال الكوفيون : أصله ما هذا ببشر، فلما حذفت الباء انتصب. قال أحمد بن يحيى ثعلب : إذا قلت ما زيد بمنطلق، فموضع الباء موضع نصب، وهكذا سائر حروف الخفض. وأما الخليل، وسيبويه، وجمهور النحويين فقد أعملوها عمل ليس، وبه قال البصريون والبحث مقرّر في كتب النحو بشواهده وحججه، وإنما نفين عنه البشرية لأنه قد برز في صورة قد لبست من الجمال البديع ما لم يعهد على أحد من البشر، ولا أبصر المبصرون ما يقاربه في جميع الصور البشرية ؛ ثم لما نفين عنه البشرية لهذه العلة أثبتن له الملكية وإن كن لا يعرفن الملائكة لكنه قد تقرّر في الطباع أنهم على شكل فوق شكل البشر في الذات والصفات، وأنهم فائقون في كل شيء، كما تقرّر أن الشياطين على العكس من ذلك، ومن هذا قول الشاعر :
فلست لإنسيٍّ ولكن لملاكٍ تنزل من جوّ السماء يُصوّت
وقرأ الحسن ( ما هذا بشراء )، على أن الباء حرف جرّ، والشين مكسورة : أي ما هذا بعبد يشترى، وهذه قراءة ضعيفة لا تناسب ما بعدها من قوله : إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ . واعلم أنه لا يلزم من قول النسوة هذا أن الملائكة صورهم أحسن من صور بني آدم، فإنهنّ لم يقلنه لدليل، بل حكمن على الغيب بمجرد الاعتقاد المرتكز في طباعهن وذلك ممنوع، فإن الله سبحانه يقول : لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : ٤ ]. وظاهر هذا أنه لم يكن شيء مثله من أنواع المخلوقات في حسن تقويمه وكمال صورته. فما قاله صاحب الكشاف في هذا المقام هو من جملة تعصباته لما رسخ في عقله من أقوال المعتزلة، على أن هذه المسألة أعني : مسألة المفاضلة بين الملائكة والبشر ليست من مسائل الدين في ورد ولا صدر، فما أغنى عباد الله عنها وأحوجهم إلى غيرها من مسائل التكليف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : قَدْ شَغَفَهَا غلبها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه قَدْ شَغَفَهَا قال : قتلها حب يوسف، الشغف : الحبّ القاتل، والشغف : حبّ دون ذلك، والشغاف : حجاب القلب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قَدْ شَغَفَهَا قال : قد علقها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ قال : بحديثهنّ. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ قال : بعملهن، وكل مكر في القرآن فهو عمل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في قوله : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ قال : هيأت لهن مجلساً، وكان سنتهم إذا وضعوا المائدة أعطوا كل إنسان سكيناً يأكل بها فَلَمَّا رَأَيْنَهُ قال : فلما خرج عليهن يوسف أَكْبَرْنَهُ قال : أعظمنه ونظرن إليه، وأقبلن يحززن أيديهنّ بالسكاكين وهنّ يحسبن أنهن يقطعن الطعام. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ قال : أعطتهنّ أترنجا، وأعطت كل واحدة منهنّ سكيناً، فلما رأين يوسف أكبرنه، وجعلن يقطعن أيديهنّ وهن يحسبن أنهنّ يقطعن الأترنج. وأخرج مسدد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عنه : المتكأ : الأترنج، وكان يقرأها خفيفة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد متكأ قال : طعاماً. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر عنه قال : هو الأترنج. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : هو كل شيء يقطع بالسكين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن الضحاك مثله. وأخرج أبو الشيخ من طريق عبد العزيز بن الوزير بن الكميت بن زيد قال : حدّثني أبي، عن جدّي يقول في قوله : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ قال : أمنين. وأنشد :
ولما رأته الخيل من رأس شاهق صهلن وأمنين المنى المدفقا
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده ابن عباس في قوله : فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ قال : لما خرج عليهنّ يوسف حضن من الفرح، وذكر قول الشاعر الذي قدّمنا ذكره :
نأتي النساء لدى أطهارهنّ ***...
البيت. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله : أَكْبَرْنَهُ قال : أعظمنه وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ قال : حزّا بالسكين حتى ألقينها وَقُلْنَ حاشا لِلَّهِ قال : معاذ الله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله : إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ قال : قلن ملك من الملائكة من حسنه. وأخرج أبو الشيخ عن منبه عن أبيه قال : مات من النسوة التي قطعن أيديهنّ تسع عشرة امرأة كمداً. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم وابن مردويه، والحاكم عن أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :( أعطي يوسف وأمه شطر الحسن )، وقد وردت روايات عن جماعة من السلف في وصف حسن يوسف ؛ والمبالغة في ذلك، ففي بعضها أنه أعطي نصف الحسن، وفي بعضها ثلثه، وفي بعضها ثلثيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس فاستعصم قال : امتنع. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة فاستعصم قال : فاستعصى. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله : وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ قال : إن لا تكن منك أنت القوي والمنعة لا تكن مني ولا عندي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ قال : أتبعهنّ. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : أطاوعهنّ.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية