و( حاشَ لله ) : قال أبو علي الفارسي : هي هنا فعل، والدليل على ذلك من وجهين، أحدهما : أنها دخلت على لام الجر، ولا يدخل حرف على حرف. والآخر : أنها حذف منها الألف، على قراءة الجماعة، والحروف لا يحذف منها شيء، وقرأها أبو عمرو بالألف على الأصل، والفاعل بحاش ضميرُ يوسف، أي : بعد يوسف عن الفاحشة لخوف الله.
وقال الزمخشري : حاش، وضع موضع المصدر، كأنه قال : تنزيهاً لله. وحذف منه التنوين ؛ مراعاة لأصله من الحرفية. وقال البيضاوي : هو حرف يفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء، فوضع موضع التنزيه. واللام للبيان، كما في قولك : سقيا لك. ه.
فلما سمعتْ بمكرهنّ ؛ باغتيابهن. وسماه مكراً ؛ لأنهن أخفينَه كما يخفي الماكر مكره. وقيل : كانت اسْتَكتَمَتهن سرها فأفشينه. فلما بلغها إفشاؤه أرسلتْ إليهن تدعوهن. قيل : دعت أربعين امرأة فيهن الخمس. وأعتدتْ : أعدت لهن مُتكأ ؛ ما يتكئن عليه من الوسائد ونحوها. وقيل : المتكأ : طعام، فإنهم كانوا يتكئون للطعام عند أكله، وقرئ في الشاذ :" مَتْكاً "، بسكون التاء وتنوين الكاف، وهو الأترج. وآتتْ كل واحدةٍ منهن سكّيناً ليقطعن به. وهذا يدل على أن الطعام كان مما يقطع بالسكاكين كالأترج. وقيل : كان لحماً.
قالت اخْرُجْ عليهن ، فأسعفها ؛ لأنه كان مملوك زوجها، فخرج عليهن، فلما رأينه أكْبَرْنَهُ : عظمن شأنه وجماله الباهر، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" رأيتً يُوسفَ لَيلَةَ المعراج كالقَمَر لَيلَةَ البَدْرِ " وقيل : كان يُرى تلألؤ وجهه على الجدران. وقطّعن أيديَهُنَّ ، جرحنها بالسكين ؛ لفرط الدهشة، اشتغلن بالنظر إليه، وبُهتْن من جماله حتى قطعن أيديهن، وهُنَّ لا يشعرن، كما يقطع الطعام. وقُلْنَ حاشَ لله ؛ تنزيهاً له عن صفات العجز عن أن يخلق مثله. أو تنزيهاً له أن يجعل هذا بشراً. اعتقدوا أن الكمال خاص بالملائكة، وكونه في البشر في حيز المحال، أو تعجباً من قدرته على خلق مثله. ما هذا بشراً ؛ لأن هذا الجمال غير معهود للبشر. إن هذا إلا مَلَكٌ كَريمُ على الله ؛ لأن الجمع بين الجمال الرائق، والكمال الفائق، والعصمة البالغة، من خواص الملائكة.
تَاللَّهِ مَا طَلَعت شَمسٌ ولا غربت إلاَّ وَذكْرُكَ مَقرُونٌ بِأَنفَاسِي وَلاَ جَلَسْتُ إلى قوْمٍ أُحدّثُهُم إلاَّ وأَنتَ حَدِيثِي بَينَ جُلاّسي ولا شربتُ لَذيذ الماء مِنْ ظَمَإِ إلا رَأيتُ خَيَالاً مَنكَ في الكاسِ إن كَانَ للنَّاسِ وسوَاسٌ يُوسوِسُهُم فَأَنتَ واللَّهِ وَسواسِي وخَنَّاسِي لَولا نَسيمٌ بِذكراكُم أَفيقُ بهِ لكُنتُ مُحتَرِقاً من حرِّ أَنفَاسي
وقال آخر :
قوله تعالى : فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن... الآية : أدهشتهم طلعة يوسف، وجماله الباهر، وزليخا لما استمرت معه لم تفعل شيئاً من ذلك. كذلك المريد إذا استشرف على أنوار الحضرة وجمالها، أدهشته وحيرته، فلولا التأييد الإلهي ما أطاقها، فإذا صبر على صدماتها، واستمر مع تجليات أنوارها ذهب دهشه. واطمأن قلبه بشهود محبوبه من وراء أردية العز والكبرياء، وهذه هي الطمأنينة الكبرى والسعادة العظمى. خَيَالُك في وَهمِي، وذَكرُكَ في فَهمِي ومَثواكَ فِي قَلبِي، فَأَين تَغِيب ؟
وقوله تعالى : قال رب السجن أحب إليَّ ، هكذا ينبغي للعبد أن يكون ؛ يختار ما يبقى على ما يفنى ؛ فرب شهوة ساعة أورثت حزناً، ورب صبر ساعة أورثت نعيماً جزيلاً. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي