فلما جَهَّزهُم بجَهَازِهمْ جعل السِّقايةَ ، التي هي الصواع، في رَحْلِ أَخيه ، وهي إناء يشرب بها الملك، ويأكل فيها، وكان من فضة، وقيل : من ذهب. وقيل : كان صاعاً يُكال به. وقصد بجعله في رحل أخيه أن يحتال على إمساكه معه ؛ إذ كان شَرْعُ يعقوب أن من سرق استعبده المسروق منه. ثم أذَّن مؤَذِّنٌ بعد أن انصرفوا : أيتها العير إنكُم لسارقون ، والخطاب لإخوة يوسف، وإنما استحل رميهم بالسرقة مع علمه بأنهم أبرياء ؛ لما في ذلك من المصلحة في المآل، وبوحي لا محالة، وإرادة من الله تعالى عَنَتُهم بذلك، يقويه قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف ، ويمكن من أن يكون فيه تورية، وفيها مندوحة عن الكذب، أي : إنكم لسارقون يوسف من أبيه، حين باعوه.
وقوله تعالى : فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رَحْل أخيه... الآية. هذا من فعل أهل التصريف بالله، المأخوذين عنهم، لا يدخل تحت قواعد الشرع ؛ لأن فاعله مفعول به، أو ناظر بنور الله إلى غيب مشيئة الله، كأفعال الخضر عليه السلام. قال الورتجبي : إن الله سبحانه إذا خصَّ نبياً، أو ولياً ألبسه صفاته بتدريج الحال ؛ ففي كل حالة له يكسوه نوراً من صفته، فمن جملة صفاته : كيد الأزل ومكر الأبد، فكسى علم كيده قلب يوسُفَ، حتى كاد برؤية كيد الله الأزلي، فعرفه فيه أسرار لطف صنائعه، وعلم حقائق أفعاله وقدرته. هـ.
وقوله : نرفع درجات من نشاء : أي بالعلم بالله ؛ كالكشف عن أسرار ذاته وأنوار صفاته، والتخلق بمعاني أسمائه، والتحقق بمقامات اليقين، ومنازل السائرين. وهذه درجات المقربين، وليس فوقها إلا درجة الأنبياء والمرسلين. أو بالعلم بأحكام الله وشرائعه ؛ كالعلم بأحكام العبادات والعادات، وسائر المعاملات. وهذه درجات عامة أهل اليمين من العلماء الأتقياء والصالحين، ومنتهى درجاتهم هي ابتداء درجات العارفين المقربين، ثم الأنبياء والمرسلين. وفوق كل ذي علم عليم ، ومنتهى العلم إلى الله العظيم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي