وقال آخرون (١): بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ من إقامتهم على حسدنا الحرص على انصراف وجه أبينا عنا، وعلى ما ألزموك من الأسف بما فعلوا بي، فقد جمع الله بيني وبينك، وأرجو أن يجمع الله بيننا وبين يعقوب.
٧٠ - قوله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ الآية، مضى الكلام في الجهاز والرحل (٢). وأما السقاية فقال الليث (٣): السقاية: الصواع الذي كان يشرب فيها الملك.
وقال غيره: السقاية (٤): الإناء الذي يُسْقى فيه، وهو هاهنا صواع الملك الذي كان يشرب منه.
قال ابن عباس (٥) في رواية عطاء: وكان قدحًا من زبرجد، وكان يشرب فيه الماء، وكان موضوعًا بين يدي يوسف. وقال ابن زيد (٦): كان كأسًا من ذهب. وقال ابن إسحاق (٧) وعكرمة (٨): كانت مشربة من فضة مرصعة بالجوهر.
(٢) عند قوله تعالى وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ [يوسف: ٦٠]. وقوله تعالى وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ [يوسف: ٦٢].
(٣) "تهذيب اللغة" (سقى) ٢/ ١٧١٥، و"اللسان" (سقى) ٤/ ٢٠٤٣.
(٤) "تهذيب اللغة" (سقى) ٢/ ١٧١٥، و"اللسان" (سقى) ٤/ ٢٠٤٣.
(٥) الطبري ١٣/ ١٧ بنحوه، و"زاد المسير" ٤/ ٢٥٨.
(٦) الطبري ١٣/ ١٧، و"زاد المسير" ٤/ ٢٥٩، والثعلبي ٧/ ٩٦ ب.
(٧) الثعلبي ٧/ ٩٦ ب.
(٨) أخرج ابن أبي حاتم عنه كما في "الدر" ٤/ ٥٠ قوله "كان كأسًا من ذهب على ما يذكرون" قلت في ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٧١ هذا القول عن ابن زيد وأخرج الطبري ١٣/ ١٩، وأبو الشيخ كما في "الدر" ٤/ ٥٠ قال: كان فضة، و"زاد المسير" ٤/ ٢٥٨، والثعلبي ٧/ ٩٦ ب.
وقوله تعالى: ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ قال المفسرون وأهل اللغة (١): نادى مُناد وأعلم مُعلم. قال ابن الأنباري (٢): (أذَّن) معناه أعلم إعلامًا بعد إعلام؛ لأن (فعَّل) يوجب تكرير الفعل، ويجوز أن يكون إعلامًا واحداً من قبل أن العرب تجعل فعّل بمعنى أفعل في كثير من المواضع، وقال سيبويه (٣): الفرق بين أذّنت وآذنت، معناه أعلمت، لا فرق بينهما، والتأذين معناه النداء والتصويت بالإعلام، ومضى الكلام في هذا الحرف مستقصًى في مواضع منها قوله: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة: ٢٧٩] وقوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ (٤) وقوله وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ [التوبة: ٣].
وقوله تعالى: أَيَّتُهَا الْعِيرُ قال أبو الهيثم (٥): كل ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال فهي عير. قال: وقول من قال العير: الإبل خاصة باطل، قال: وقال (٦) نُصير (٧): الإبل لا تكون عيرًا حتى يمتار عليها.
وقال أبو عبيدة (٨): العير الإبل الرحولة المركوبة، والصحيح في العير أنها القافلة التي فيها الأحمال، والأصل للحمير إلا أنه كثر حتى سمي كل قافلة محملة عيرًا تشبيهًا بتلك.
(٢) "الزاهر" ١/ ٢٩.
(٣) "الكتاب" ٤/ ٦٢.
(٤) الأعراف: ٤٤. وقال هنالك ما ملخصه: "معنى التأذين في اللغة: النداء والتصويت بالإعلام، والأذان للصلاة إعلام بها وبوقتها.. ".
(٥) "تهذيب اللغة" (عير) ٣/ ٢٢٧٤.
(٦) في (ج): (وقتال).
(٧) "تهذيب اللغة" (عير) ٣/ ٢٢٧٥.
(٨) "زاد المسير" ٤/ ٢٥٧، القرطبي ٩/ ٢٣٠.
قال مجاهد (١): كانت العير حميرًا.
وقال مقاتل (٢) بن سليمان: العير الرفقة.
(قال ابن الأنباري: ولا تكون العير رفقة أبدًا إلا على قيام مقام الرفقة وتأديتها عنها) (٣).
قال أبو إسحاق (٤): معناه يا أصحاب العير، ولكن قال: (أيتها العير)، وهو يريد أهلها، كقوله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ، ويا خيل الله اركبي.
وقوله تعالى: إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قال أبو علي: التقدير فقال: إنكم لسارقون. فإن قيل: لم سَرَّق يوسفُ من لم يَسْرِق وهم لم يسرقوا شيئًا؟ قيل (٥) معناه: إنكم لسارقون يوسف من أبيه، حين طرحتموه في الجب.
وقيل (٦): إن المنادي نادى وعنده أنهم قد سرقوا السقاية، ولم يعلم أن يوسف أمر بوضعها في رحل أخيه، وإنما كان أمر بذلك على ما أمره الله -عز وجل- فلما فقدها الموكلون بها اتهموهم بسرقتها، على أن النداء بالتسريق كان بغير أمر يوسف ولا علمه، فكان الكذب زائلًا عن نبي الله في الحالات كلها.
(٢) "تفسير مقاتل" ١٥٦ أ.
(٣) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (ب)، (ج) وهو في (ي).
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٢٠.
(٥) قال به الزجاج انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٢٣.
(٦) وهو قول ابن جرير الطبري انظر: الطبري ١٣/ ٢٨.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي