لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين ( ٧ ) إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين ( ٨ ) اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ( ٩ )
هذا شروع في القصة بعد مقدمتين أولاهما في صفة القرآن وكونه تنزيلا من الله دالا على رسالة من أنزل عليه، وكونه عربيا تقوم به الحجة على العرب الذين يعقلونه وكون النبي صلى الله عليه وسلم كان من قبله غافلا عما جاءه فيه لا يدري منه شيئا، ونتيجة هاتين القضيتين تأتي بعد تمام القصة في قوله تعالى ذلك من أنباء الغيب [ آل عمران : ٤٤ ] الخ..
والمقدمة الثانية رؤيا يوسف وما فهم منها أبوه فهما إجماليا كليا كما بيناه آنفا وبنى عليه أن حذره وأنذره ما يستهدف له قبله من كيد إخوته، وبشره بحسن عاقبته، ونتيجة هاتين القضيتين ما قاله لأبيه بعد دخولهم عليه وسجودهم له يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا [ يوسف : ١٠٠ ] الخ.
فمثل هذا الترتيب المنطقي العقلي البديع يتوقف نظمه وسرده على سبق العلم بالقصة وتتبع حوادثها والإحاطة بدقائقها، ثم على وضع ترتيب ينسق عليه الكلام كالقصص الفنية المتكلفة، ثم توضع له المقدمة والخاتمة في الغاية التي ألفت القصة لأجلها، فتجعل الأولى براعة مطلع، والآخرة براعة مقطع، فقل لمن جهل سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وتاريخه : إن محمدا لم يكن قارئا ولا كاتبا، ولا خطيبا ولا شاعرا، ولا مؤرخا، ولا راويا، ولا حافظا للشعر ولا ناثرا، بل كان كما قال الله تعالى غافلا عن هذه القصة وكل ما جاء في القرآن، وكانت تنزل عليه السورة القصيرة فيعجل بقراءتها لئلا ينسى منها شيئا، فنهي عن ذلك عندما عرض له في أثناء نزول سورة القيامة بقوله تعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه [ القيامة : ١٦-١٩ ] وبقوله ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليه وحيه وقل رب زدني علما [ طه : ١١٤ ] وقوله سنقرئك فلا تنسى [ الأعلى : ٦ ] وقوله إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ الحجر : ٩ ] فلما ضمن ربه له أمن ضيع شيء منه بعدم حفظه عند تلقيه، أو نسيانه بعده، زال خوفه، وترك الاستعجال بقراءته.
وهذه السورة الطويلة نزلت عليه دفعة واحدة كأكثر السور المكية حتى الطوال منها كسورة الأنعام فلم يكن يدري من هذا الترتيب والنسق لها ولا من موضوعها شيئا قبل وحيها، ولا يحيط به إلا أن يكمل له تلقيها عن الروح الأمين عليهما السلام، ولكن العجب أن يغفل عنه أو يجهله أحد من المفسرين فرسان البلاغة الفنية، والآن وقد بينته لقارئ هذا التفسير ليفطن لدلالة السورة بنظمها وبلاغتها على إعجاز القرآن اللفظي، وبما فيها من التشريع وعلم الغيب على إعجازه المعنوي، وبالإعجازين كليهما على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، أشرع في تفسير القصة متبرئا من حولي وقوتي إلى حول الله وقوته.
اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا أي اقتلوه قتلا لا مطمع بعده ولا أمل في لقائه، أو انبذوه كالشيء اللقا الذي لا قيمة له في أرض مجهولة بعيدة عن مساكننا أو عن العمران بحيث لا يهتدي إلى العودة إلى أبيه سبيلا إن هو سلم فيها من الهلاك يخل لكم وجه أبيكم فيكن كل توجهه إليكم، وكل إقباله عليكم، بخلو الديار ممن يشغله عنكم أو يشارككم في عطفه وحبه، وهذه الجملة من فوائد درر الكلام البليغ بتصويرها حصر الحب وتوجه الإقبال والعطف بصورة الضروريات التي لا اختيار للرأي ولا للإرادة فيها، لا من ظاهر الحس، ولا من وجدان النفس، بعد وقوع هذه الجناية التي تقتضي إعراض الوجه، وإعراض الكراهة والمقت وتكونوا من بعده أي من بعد يوسف أو بعد قتله وتغريبه قوما صالحين تائبين إلى الله من هذه الجريمة، مصلحين لأعمالكم بما يكفر إثمها، وعدم التصدي لمثلها، فيرضى عنكم أبوكم ويرضى ربكم، هكذا يزين الشيطان للمؤمن المتدين معصية الله تعالى ولا يزال ينزغ له ويسول، ويعد ويمني ويأوّل، حتى يرجح داعي الإيمان، أو يجيب داعي الشيطان، وهذا الذي غلب على إخوة يوسف فكان، ولكن بعد رأفة مخففة لحكم الانتقام، وهو مقتضى الحكمة التي أرادها الله : قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين ( ١٠ )
تفسير المنار
رشيد رضا