والقتل هو قمة ما فكروا فيه من شر ؛ ولأنهم من الأسباط هبط الشر إلى مرتبة أقل ؛ فقالوا : أو اطرحوه أرضا.. ( ٩ ) [ يوسف ]
فكأنهم خافوا من إثم القتل ؛ وظنوا بذلك أنهم سينفردون بحب أبيهم ؛ لأنهم قالوا : يخل لكم وجه أبيكم.. ( ٩ ) [ يوسف ]
والوجه هو الذي تتم به المواجهة والابتسام والحنان، وهو ما تظهر عليه الانفعالات.
والمقصود ب : يخل لكم وجه أبيكم... ( ٩ ) [ يوسف ]
هو ألا يوجد عائق بينكم وبين أبيهم.
وقولهم : وتكونوا من بعده قوما صالحين ( ٩ ) [ يوسف ]
أي : أنهم يقدرون الصلاح ؛ ويعرفون أن الذي فكروا فيه غيره مقبول بموازين الصلاح ؛ لذلك قالوا : إنهم سيتوبون من بعد ذلك.
ولكن : ما الذي أدراهم أنهم سوف يعيشون إلى أن يتوبوا ؟ وهم بقولهم هذا نسوا أن أمر الموت قد أبهم حتى لا يرتكب أحد المعاصي والكبائر.
أو : أن يكون المقصود ب : قوما صالحين ( ٩ ) [ يوسف ]
هو أن يكونوا صالحين لحركة الحياة، ولعدم تنغيص١ علاقتهم بأبيهم ؛ فحين يخلو لهم وجهه ؛ سيرتاحون إلى أن أباهم سيعدل بينهم، ويهبهم كل حبه فيرتاحون.
أو أن يكون المقصود ب قوما صالحين ( ٩ ) [ يوسف ]
أن تلك المسألة التي تشغل بالهم وتأخذ جزءا من تفكيرهم إذا ما وجدوا لها حلا ؛ فسيرتاح بالهم فينصلح حالهم لإدارة شؤون دنياهم.
وهكذا نفهم أن سعيهم إلى الصلاح : منوط بمراداتهم في الحياة، بحسب مفهومهم للصلاح والحياة.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة٢ الجب يلتقطه بعض السيارة٣ إن كنتم فاعلين( ١٠ )
٢ - غيابة الجب: ما غاب من جوانبه عن النظر ويستر ما اختبأ فيه، قال تعالى: وألقوه في غيابة الجب...(١٠) [يوسف] وقرئ غيابات بالجمع، [القاموس القويم ٢/ ٦٥] وغيابة كل شيء: قعره، ووقعوا في غيابة من الأرض، أي: في منهبط منها. [لسان العرب- مادة: غيب]..
٣ - السيار: الكثير السير، والسيارة الجماعة السائرة المسافر، قال تعالى: وجاءت سيارة..(١٩) [يوسف]، وقوله: متاعا لكم وللسيارة..(٩٦) [المائدة] أي: للمسافرين، [القاموس القويم ١/٣٤٠]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي