ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

(قال لا تثريب) التثريب التعيير والتوبيخ أي لا لوم (عليكم اليوم) قال الأصمعي: ثربت عليه قبحت عليه فعله، وقال الزجاج: المعنى لا إفساد لا بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة ولكم عندي الصفح والعفو، وأصل التثريب الإفساد وهي لغة أهل الحجاز، وقال ابن الأنباري: معناه قد انقطع عنكم توبيخي عند اعترافكم بالذنب.
قال ثعلب: ثرب فلان على فلان إذا عدد عليه ذنوبه وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش، ومعناه إزالة التثريب كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع أي لا تثريب مستقر أو ثابت عليكم.
وقد جوز الأخفش الوقف على (عليكم) فيكون اليوم متعلقاً بالفعل الذي بعده وقد ذكر مثل هذا ابن الأنباري عن عكرمة قال لا تثريب لا تعيير، وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال لما فتح رسول الله ﷺ مكة التفت إلى الناس فقال ماذا تقولون وماذا تظنون فقالوا: ابن عم كريم فقال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم (١).
ثم دعا لهم بقوله (يغفر الله لكم) على تقدير الوقف على اليوم وهو بمنزلة التعليل أو أخبرهم بأن الله قد غفر لهم ذلك اليوم على تقدير الوقف على
_________
(١) أنظر كامل القصة في سيرة ابن هشام ٤/ ٥٤، ٥٥؛ طبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر ١٣٥٥هـ، ١٩٣٦م.

صفحة رقم 395

عليكم (وهو أرحم الراحمين) يرحم عباده رحمة لا يتراحمون بها فيما بينهم فيجازي محسنهم ويغفر لمسيئهم.
قال عطاء الخراساني: طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ ألم تر إلى قول يوسف عليه السلام (لا تثريب عليكم اليوم) وقال يعقوب (سوف أستغفر لكم ربي).
أقول وفي هذا الكلام نظر فإنهم طلبوا من يوسف عليه السلام أن يعفو عنهم لقولهم (لقد آثرك الله علينا) فقال (لا تثريب عليكم اليوم) لأن مقصودهم صدور العفو منه عنهم وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر الله لهم وهو لا يكون إلا بطلب ذلك منه إلى الله عز وجل وبين المقامين فرق، فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلاً عليهم بسؤال الله لهم ولا سيما إذا صح ما تقدم من أنه أخر ذلك إلى وقت الإجابة فإنه لو طلبه لهم في الحال لم يحصل له علم بالقبول.
وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: لما كان من أمر إخوة يوسف عليه السلام ما كان كتب يعقوب إلى يوسف عليه السلام وهو لا يعلم أنه يوسف عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم إلى عزيز آل فرعون سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو: أما بعد فإنّا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء كان جدي إبراهيم خليل الله ألقي في النار في طاعة ربه فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، وأمر الله جدي أن يذبح له أبي (١) ففداه الله بما فداه، وكان لي ابن وكان أحب الناس إليَّ ففقدته فأذهب حزني عليه نور بصري وكان له أخ من أمه كنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري فأذهب على بعض وجدي وهو المحبوس عندك في السرقة وإني أخبرك لم أسرق، ولم ألد سارقاً، فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب بكى وصاح وقال:
_________
(١) الصحيح والقول الراجح أن الذبيح هو نبي الله إسماعيل وهو الابن الأكبر للخليل صلى الله عليه وسلم.

صفحة رقم 396

اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)

صفحة رقم 397

فتح البيان في مقاصد القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي

راجعه

عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

الناشر المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 15
التصنيف التفسير
اللغة العربية