قوله عز وجل مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيـمَانِهِ إِلا مَنُ اَكْرِهَ وَقَلْبُهُو مُطْمَئِنٌّ بِالاِيـمَانِ وَلَـاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اَللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ { ١٠٦ }
٢٩٢- قال الشافعي رحمه الله تعالى : ولما فرض الله عز وجل الجهاد على رسوله صلى الله عليه وسلم، وجاهد المشركين بعد إذ كان أباحه، وأثخن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل مكة، ورأوا كثرة من دخل في دين الله عز وجل، اشتدوا على من أسلم منه، ففتنوهم عن دينهم أو من فتنوا منهم، فعذر الله من لم يقدر على الهجرة من المفتونين فقال : إِلا مَنُ اَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيـمَانِ . وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إن الله عز وجل قد جعل لكم مخرجا وفرض على من قدر على الهجرة الخروج إذا كان ممن يفتن عن دينه ولا يمتنع »١. ( الأم : ٤/١٦١. ون الأم : ٦/١٦٢. )
ــــــــــــ
٢٩٣- قال الشافعي : وأبان الله عز وجل لخلقه أنه تولى الحكم ـ فيما أثابهم وعاقبهم عليه ـ على ما علم من سرائرهم ووافقت سرائرهم علانيتهم أو خالفتها، وإنما جزاهم بالسرائر، فأحبط عمل كل من كفر به، ثم قال تبارك وتعالى فيمن فتن عن دينه : إِلا مَنُ اَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيـمَانِ ٢ فطرح عنهم حبوط أعمالهم والمأثم بالكفر إذا كانوا مكرهين وقلوبهم على الطمأنينة بالإيمان وخلاف الكفر. ( الأم : ٧/٢٩٤. ون أحكام الشافعي : ١/٢٩٩. )
ــــــــــــ
٢٩٤- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل : إِلا مَنُ اَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيـمَانِ ٣ الآية.
قال الشافعي : وللكفر أحكام : كفراق الزوجة، وأن يقتل الكافر ويغنم ماله، فلما وضع الله عنه سقطت عنه أحكام الإكراه على القول كله، لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه، وما يكون حكمه بثبوته عليه.
قال الشافعي : والإكراه : أن يصير الرجل في يدي من لا يقدر على الامتناع منه : من سلطان أو لصٍّ، أو متغلب على واحد من هؤلاء، ويكون المكره يخاف خوفا عليه دلالة : أنه إن امتنع من قول ما أمر به يبلغ به الضرب المؤلم، أو أكثر منه، أو إتلاف نفسه.
قال الشافعي : فإذا خاف هذا يسقط عنه حكم ما أكره عليه من قول ما كان القول شراء أو بيعا أو إقرارا لرجل بحقٍّ أو حدٍّ، أو إقرار بنكاح أو عتق أو طلاق، أو إحداث واحدٍ من هذا وهو مكره، فأي هذا أحدث وهو مكره لم يلزمه. ( الأم : ٣/٢٣٦. ون أحكام الشافعي : ١/٢٢٤. )
ـــــــــــــ
٢٩٥- قال الشافعي : فأما ما فرض الله على القلب من الإيمان : فالإقرار والمعرفة والعقد، والرضا والتسليم، بأن الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله من نبيّ أو كتاب. فذلك ما فرض الله جل ثناؤه على القلب، وهو عمله : إِلا مَنُ اَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيـمَانِ وَلَـاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرا ٤ وقال : أَلا بِذِكْرِ اِللَّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ ٥ وقال : مِنَ اَلذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُومِن قُلُوبُهُمْ ٦ وقال : وَإِن تُبْدُوا مَا فِى أَنفُسِكُمُ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اِللَّهُ ٧ فذلك ما فرض الله على القلب من الإيمان، وهو عمله، وهو رأس الإيمان. ( ٢٩٥- مناقب الشافعي : ١/٣٨٩. )
وأخرج عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة أن هاجروا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش بالطريق ففتنوهم فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية. لباب النقول ص: ١٨٧. ون تفسير ابن جرير: ٧/٦٥١..
٢ - النحل: ١٠٦..
٣ - النحل: ١٠٦..
٤ - النحل: ١٠٦..
٥ - الرعد: ٢٨..
٦ - المائدة: ٤١..
٧ - البقرة: ٢٨٤..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي