ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

والبيهقي فى شعب الايمان مرسلا انه قيل لرسول الله ﷺ أيكون المؤمن جبانا قال نعم فقيل له أيكون المؤمن بخيلا قال نعم فقيل له أيكون المؤمن كذابا قال لا- قلت الظاهر ان المراد بالمؤمن المذكور فى الأحاديث الموجودون «١» فى زمن النبي ﷺ ولاجل ذلك انعقد الإجماع على كون الصحابة كلهم صدوقا عدولا لا يطعن فى حديث أحد منهم او المراد به المؤمن الكامل وهو الصوفي الفاني الباقي-.
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ مبتدا تضمن معنى الشرط وخبره المتضمن للجواب محذوف وهو فعليهم غضب من الله ولهم عذاب اليم دل عليه جواب من شرح- وجاز ان يكون بدلا من الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويكون وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ اعتراضا بين البدل والمبدل منه يعنى انما يفترى من كفر الا من اكره- وجاز ان يكون بدلا من المبتدا الّذي هو أولئك او من الخبر وهو الكاذبون يعنى من كفر بالله هم الكاذبون او أولئك هم من كفر بالله وجاز ان يكون منصوبا على الذم إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ قال البغوي قال ابن عباس نزلت هذه الاية فى عمار بن ياسر وذلك ان المشركين أخذوه وأباه وامه سميّة وصهيبا وبلالا وخبيبا وسالما وعذبوهم فاما سميّة فانها ربطت بين بعيرين ووجئت قبلها بحربة فقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين فى الإسلام رضى الله عنهما واما عمار فانه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها على ذلك- وقال قتادة أخذ بنوا للمغيرة عمارا رضى الله عنه وغطوه فى بئر ميمون وقالوا له كفّر «٢» بمحمّد فتابعهم على ذلك وقلبه كاره- فاخبر رسول الله ﷺ بان عمارا كفر فقال كلا ان عمارا ملئ ايمانا من قرنه الى قدمه واختلط الايمان بلحمه ودمه- فاتى عمار رسول الله ﷺ وهو يبكى فقال له رسول الله ﷺ ما وراءك قال شر يا رسول الله نلت منك وذكرت قال كيف وجدت قلبك قال مطمئنّا بالايمان فجعل النبي ﷺ يمسح عينيه وقال ان عادوا لك فعدلهم بما قلت فنزلت هذه الاية- وكذا اخرج الثعلبي والواحدي واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال أراد النبي ﷺ ان يهاجر الى المدينة أخذ المشركون بلالا وخبيبا وعمار بن ياسر فاما عمار فقال لهم كلمة

(١) فى الأصل الموجودين-
(٢) فى الأصل اكفر-

صفحة رقم 376

أعجبتهم تقية فلما رجع الى رسول الله ﷺ حدثه فقال كيف كان قلبك حين قلت أكان منشرحا بالذي قلت قال لا فانزل الله هذه الاية- وذكر البغوي وكذا اخرج ابن ابى حاتم انه قال مجاهد نزلت فى ناس من اهل مكة أمنوا فكتب إليهم بعض اصحاب رسول الله ان هاجروا فانا لا نراكم منا حتّى تهاجروا إلينا فخرجوا يريدون المدينة فادركتهم قريش فى الطريق ففتنوهم فكفروا كارهين- وقال البغوي قال مقاتل نزلت فى جبر مولى عامر بن الحضرمي أكرهه سيده على الكفر فكفر مكرها وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ اى ساكن به لم يتغير عقيدته وفيه دليل على ان الركن اللازم للايمان هو التصديق بالقلب- قال البغوي ثم اسلم مولى جبر وحسن إسلامه وهاجر جبر مع سيده وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً اى شرح وفتح صدره للكفر بالقبول وطاب نفسه واختاره فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) اعلم ان الإكراه عبارة عن حمل الغير على فعل يكرهه وذلك على نوعين أحدهما ما ينتفى به رضاه ولا يفسد اختياره كالاكراه بالضرب او الحبس ثانيهما ما يكون ملجيا يفسد اختياره كالاكراه بالقتل او قطع العضو ويشترط فى كلا القسمين من الإكراه قدرة المكره على ما يهدد به وان يغلب على ظن المكره انه يفعله به فالقسم الاول من الإكراه غير مراد بالآية وغير مؤثر أصلا الا فى البيع والشراء والاجارة والاستيجار والإقرار ونحو ذلك فمن اكره على بيع ماله او على شراء سلعة او على ان يقرّ لرجل بألف او يؤاجر داره او يستأجر فالمكره بالخيار ان شاء امضى العقد بعد زوال الإكراه وان شاء فسخه لان هذه العقود تحتمل الفسخ واشترط لصحتها التراضي بقوله تعالى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وقد فات الرضاء بالإكراه فان شاء أجاز وان شاء فسخ فان قبض الثمن طوعا فقد أجاز البيع- والمراد بالآية هو القسم الثاني فقد اجمع العلماء على انه من اكره على الكفر اكراها ملجيا يجوز له ان يتلفظ بما اكره عليه مطمئنّا قلبه بالايمان بهذه الاية وقصة عمار فلا يكفر بالتلفظ من غير اعتقاد ولم تبن منه امرأته- وان ابى ان يقوله كان أفضل لقصة أبوي عمار وقد مر- وقصة خبيب وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق

صفحة رقم 377

انهم اختاروا القتل على الارتداد- ذكر اصحاب السير فى سرية الرجيع ان خبيبا حين قتل صلى ركعتين وروى البخاري عن ابى هريرة انه أول من سنّ الركعتين عند القتل انتهى- فلما صلى الركعتين جعلوه على الخشبة ثم وجهوه الى المدينة وأوثقوه رباطا ثم قالوا ارجع عن الإسلام نخلّ سبيلك قال والله ما أحب انى رجعت عن الإسلام وانّ لى ما فى الأرض جميعا قالوا افتحب ان محمّدا مكانك وانك جالس فى بيتك قال لا والله ما أحب ان يشاك محمّد ﷺ شوكة وانا جالس فى بيتي فجعلوا يقولون ارجع خبيب فقال لا ارجع ابدا قالوا لئن لم ترجع لقتلناك قال ان قتلى فى الله لقليل روى البخاري عن ابى هريرة ان خبيبا... حين قتل قال «١» أبياتا منها قوله شعر
فلست أبالي حين اقتل مسلما... على اىّ شق كان فى الله مصرعى
وذلك فى ذات الإله وان يشاء... يبارك فى أوصال شلو ممزع
ذكر ابن عقبة ان زيدا وخبيبا قتلا فى يوم واحد وان رسول الله ﷺ سمع يوما قتلا وهو يقول وعليكما السلام واخرج ابن ابى شيبة عن الحسن مرسلا وعبد الرزاق فى تفسيره عن معمر مفصلا ان مسيلمة أخذ رجلين فقال «٢» لواحد ما تقول فى محمّد فقال رسول الله فقال ما تقول فىّ فقال أنت ايضا وقال للاخر ما تقول فى محمّد فقال رسول الله فقال ما تقول فىّ قال انا اصمّ فاعاد عليه ثلاثا فاعاد جوابه فقتله فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال اما الاول فقد أخذ برخصة الله واما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له- (مسئلة) ومن اكره على إتلاف مال مسلم وسعه ان يفعل ذلك لان مال الغير يستباح للضرورة كما فى حالة المخمصة وقد تحققت- ولصاحب المال ان يضمن المكره (بالكسر) لان المكره (بالفتح) فمعز الدولة له فيما يصلح فمعز الدولة له والاتلاف من هذا القبيل- (مسئلة) وان اكره على قتل غيره لم يسعه ان يقدّم عليه ويجب ان يصبر حتّى يقتل فان قتله كان اثما لان قتل المسلم لا يستباح لضرورة ما فكذا لهذا الضرورة واختلف العلماء فى القصاص هل هو على المكره او المكره ولا يسع المقام للكلام فيه- (مسئلة) وان اكره على ان يأكل الميتة او يشرب الخمر جاز له ان يقدم على ما اكره عليه اجماعا- واختلفوا فى انه ان صبر ولم يأكل حتّى قتل هل يجوز له ذلك أم لا

(١) وفى الأصل قال حين قتل قال
(٢) فى الأصل فقال ما تقول فى محمّد ص

صفحة رقم 378

فقال ابو حنيفة يجب عليه أكله ولا يسعه ان يصبر كما لو اكره على أكل شيء مباح يجب عليه أكله فان صبر وقتل اثم لانه صار معاونا للمكره فى إتلاف نفسه بلا ضرورة وعن ابى يوسف انه لا يأثم وهو أصح قولى الشافعي لانه رخصة لا اباحة لان الحرمة قائمة فيكون أخذا بالعزيمة وقال ابو حنيفة حالة الاضطرار مستثناة بقوله إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وهو تكلم بالباقي بعد الثّنيا فلا محرم فكان اباحة لا رخصة فصار الميتة حينئذ مباحا كالزكية بخلاف أكل مال الغير فانه لو صبر ولم يأكل حتّى قتل كان ماجورا اجماعا لان الحرمة هناك قائمة فمن هاهنا ظهران الإكراه لا يزيل الخطاب حتّى يباح مرة ويفترض ويحرم اخرى فلاجل ذلك قال ابو حنيفة رحمه الله كل تصرف ينسحب حكمه على التلفظ ولا يتوقف على الرضاء يترتب عليه حكمه ان فعل مكرها وهى عشرة تصرفات النكاح والطلاق والرجعة والإيلاء والفيء والظهار والعتاق والعفو عن القصاص واليمين والنذر وبه قال الشعبي والنخعي والثوري- وقال مالك والشافعي واحمد لا يترتب الحكم على شيء من تصرفات المكره محتجين بحديث عائشة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول لاطلاق ولاعتاق فى إغلاق- رواه احمد وابو داود وابن ماجة والحاكم وابن الجوزي وابو يعلى والبيهقي من طريق صفية بنت عثمان عن شيبة عنها صححه الحاكم وفى اسناده محمّد بن عبيد المكي ضعفه ابو حاتم الرازي- وجه الاحتجاج انه قال ابن الجوزي قال قتيبة الاغلاق الإكراه على الطلاق والعتاق وهو من أغلقت الباب كانّ المكره اغلق حتّى يفعل قال الحافظ وهو قول الخطابي وابن السيد- ويرد عليه ان فى تفسير الاغلاق اختلافا فقد قيل كما ذكر ابن الجوزي وقيل الاغلاق الجنون فان المجنون مستور عليه كانه اغلق عليه- وقيل الغضب وقع ذلك فى سنن ابى داود وكذا فسره احمد لكن تفسيره بالغضب غير مرضى رده ابن السيد وقال لو كان كذلك لم يقع على أحد طلاق لان أحدا لا يطلق حتّى يغضب- وبحديث الحسن عن النبي ﷺ ان الله عزّ وجلّ غفر لكم عن الخطاء والنسيان وما استكرهتم عليه- رواه ابن الجوزي ولا يجوز الاحتجاج بهذا الحديث فى هذه المسألة لانه لا يدل الا على مغفرة ما فعله مكرها من المعاصي ولا يدل على عدم ترتب الاحكام الدنيوية على ما فعله مكرها- وقد يحتج فى المسألة

صفحة رقم 379

بما رواه الطبراني عن ثوبان قال قال رسول الله ﷺ رفع عن أمتي الخطاء والنسيان وما استكرهوا عليه- وكذا روى من حديث ابى الدرداء قال الحافظ فى اسنادهما ضعف وروى ابن ماجة وابن حبان والدار قطنى والطبراني والبيهقي والحاكم فى المستدرك من حديث الأوزاعي فقيل عنه عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس- وروى الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ولم يذكر عبيد بن عمير- وللوليد اسنادان آخران روى عن محمّد بن المصفى عنه عن مالك عن نافع عن ابن عمرو عن ابن لهيعة عن موسى بن داؤد عن عقبة بن عامر قال ابن ابى حاتم سالت ابى عنها فقال هذه الأحاديث منكرة كانها موضوعة وقال عبد الله بن احمد سالت ابى عنه فانكره جدّا- ورواه ابن ماجة من حديث ابى ذر وفيه شهر بن حوشب وفى الاسناد انقطاع ايضا- فلو صح هذا الحديث- فالجواب عنه ان الحديث ليس على ظاهره إذ لا معنى لرفع الخطاء والنسيان فان ما وجد من الافعال خطأ او نسيانا فهى واقعة لا محالة فالمعنى رفع عن أمتي اثم الخطاء والنسيان ولا يجوز تقدير الحكم الّذي يعم احكام الدنيا والاخرة إذ لا عموم للمقتضى- فالمراد اما احكام الدنيا واما حكم الاخرة والإجماع على ان حكم الاخرة وهو رفع المؤاخذة مراد فلا يراد الاخر معه وإلا عمم كذا قال ابن همام- واحتج ابن الجوزي ايضا بما روى ان رجلا على عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه بدلى يسار علا فاقبلت امرأته فجلست على الجبل فقالت ليطلقها ثلاثا والا قطعت الجبل عليه فذكرها الله والإسلام فابت فطلقها ثلاثا ثم خرج الى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فقال ارجع الى أهلك فليس هذا بطلاق-
واحتج ابو حنيفة رحمه الله بأحاديث منها حديث ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة- رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة واحمد والحاكم والدار قطنى قال الترمذي حسن وقال الحاكم صحيح- قال ابن الجوزي فيه عطاء بن عجلان متروك الحديث قال الحافظ ابن حجر وهم ابن الجوزي حيث قال هو عطاء بن عجلان وهو متروك بل هو عطاء بن ابى رباح صرّح له فى رواية ابى داؤد والحاكم لكنه من رواية عبد الرّحمن بن جبير وهو مختلف فيه قال النسائي منكر الحديث ووثقه غيره فهو على هذا حسن فان قيل الإكراه لا يجامع الاختيار الّذي يعتبر به التصرف الشرعي

صفحة رقم 380

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري

تحقيق

غلام نبي تونسي

الناشر مكتبة الرشدية - الباكستان
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية