ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

١٠٦ - قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ الآية. أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في عمار بن ياسر؛ أخذه المشركون فلم يتركوه حتى سَبَّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وذكر آلهتم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما وراءك؟ قال: شَرٌّ يا رسول الله، ما تُرِكتُ حتى نِلتُ مِنْك، وذكرتُ آلهتم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان. قال: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت" (١).
واختلفوا في محل (مَنْ) مِن الإعراب، فقال الأخفش: هو ابتداء، وخبره محذوف مكتفى منه بخبر (مَنْ) الثانية في قوله: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا (٢)؛ كقولك: من يأتينا فمن يحسن نكرمه (٣)، فجواب الأول محذوف قد كفى منه الثاني، وقال أبو إسحاق: (مَنْ) في موضع رفع على

(١) أخرجه ابن سعد ٣/ ٢٤٩ بنصه، وعبد الرزاق ٢/ ٣٦٠، بنحوه، والطبري ١٤/ ١٨١، بنحوه عن ابن عباس من طريق العوفي ضعيفة، وأخرجه بنحوه عن قتادة وأبي مالك وغيرهما، والحاكم ٢/ ٣٥٧ بنصه، وصححه وقال: على شرط الشيخين، والبيهقي: المرتد/المكره على الردة (٨/ ٢٠٨) بنصه، وورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٢٥٢، وهود الهواري ٢/ ٣٩٠، والثعلبي ٢/ ١٦٤ ب، عن ابن عباس، والطوسي ٦/ ٤٢٨، وانظر: "أسباب النزول" للواحدي ص ٢٨٨، عن ابن عباس، و"تفسير البغوي" ٥/ ٤٥، عن ابن عباس، والزمخشري ٢/ ٣٤٥، و"تفسير القرطبي" ١٠/ ١٨٠، عن ابن عباس، والخازن ٣/ ١٣٦، وابن كثير ٢/ ٦٤٧، عن ابن عباس، و"الدر المنثور" ٤/ ٢٤٨، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٢) "معاني القرآن للأخفش" ٢/ ٦٠٨، بمعناه، وانظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٦٤ ب، بنحوه بلا نسبة.
(٣) ورد بنصه في "تفسير الطبري" ١٤/ ١٨٠، والثعلبي ٢/ ١٦٤ ب، والطوسي ٦/ ٤٢٨، ومعناه: من يحسن ممن يأتينا نكرمه.

صفحة رقم 207

البدل مِن الكاذبين (١)، ولا يجوز أن يكون رفعًا بالابتداء؛ لأنه لا خبر هاهنا للابتداء؛ لأن قوله: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ ثم استثنى فقال: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ: على الكفر، يكفر بلسانه وقلبه مطمئن (٢) بالإيمان (٣)، والقول الأول أظهر في معنى الآية؛ لأن (٤) هذه قصة مستأنفة، وكلام لا تعلق له بما تقدم، يدل عليه من التفسير ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية، قال: أخبر الله سبحانه أنه من كفر بعد إيمانه فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم، فأما من أُكره فتكلم بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لِيَنْجُو بذلك من عدوه فلا حرج عليه؛ لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم (٥)، فجعل ابن عباس قوله: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ خبر قوله: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ.
وقوله تعالى: وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا، أي: فتحه ووسعه لقبول (٦) الكفر، وذكرنا معنى الشرح في سورة الأنعام (٧)، وانتصب صدرًا

(١) وتقديره: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، وقد رده الطبري، وقال: هذا قول لا وجه له، وحجته أن ذلك يقتضي تخصيص وصف افتراء الكذب بمن آمن ثم ارتد دون من نشأ على الكفر أصلاً، ودلل على ذلك أن الآية جاءت في سياق الرد على الذين نسبوا الكذب والافتراء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الآية السابقة، وهم الكفار الأصليون. انظر: "تفسير الطبري" ١٤/ ١٨١.
(٢) في (أ)، (د) زيادة (واو): (ومطمئن).
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ٢١٩، بتصرف يسير.
(٤) في (أ)، (د): (أن).
(٥) أخرجه الطبري ١٤/ ١٨٢ بنصه من طريق ابن أبي طلحة صحيحة، والبيهقي: المرتد/ المكره على الردة (٨/ ٢٠٩) بنصه، و"الدر المنثور" ٤/ ٢٥٠، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٦) في (أ)، (د): (لقول)، والمثبت من (ش)، (ع) أصح.
(٧) آية [١٢٥].

صفحة رقم 208

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية