[ ١٦ ب ] ١ / قال : وكذلك أعثرنا عليهم ( ٢١ ). قال قتادة : أطلعنا عليهم٢ على أصحاب الكهف، أطلعنا أهل ذلك الزمان الذي أحياهم الله فيه وليس بحياة النشور. ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة ولا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم ( ٢١ ).
كانت تلك الأمة الذين هربوا منهم قد بادت وخلقت بعدهم أمة أخرى، وكانوا على الإسلام. ثم إنهم اختلفوا في البعث فقال بعضهم : يبعث الناس في أجسادهم وهؤلاء المؤمنون، وكان الملك منهم، وقال بعضهم تبعث الأرواح بغير أجساد فكفروا، وهذا قول أهل الكتاب اليوم. فاختلفوا، فبعث الله أصحاب الكهف آية ليعلمهم أن الناس يبعثون في أجسادهم.
وقال في آية أخرى : يوم يقوم الروح ٣ روح كل شيء في جسده. وهو قوله : يوم يقوما الناس لرب العالمين ٤.
فلما بعث أصحاب الكهف صاحبهم بالدراهم ليشتري لهم بها طعاما وهم يرون أنها تلك الأمة المشركة الذين فروا منهم، فأمروا صاحبهم أن يتلطف ولا يشعر بهم أحدا. فلما دخل المدينة وهي مدينة بالروم يقال لها فسوس، فأخرج الدراهم ليشتري بها الطعام، استنكرت الدراهم وأخذ، فذهب به إلى ملك المدينة، فإذا الدراهم دراهم الملك الذي فرّوا منه. فقالوا : هذا رجل وجد كنزا. فلما خاف على نفسه أن يعذب أطلع على أصحابه. فقال لهم الملك : قد بين الله لكم ما اختلفتم فيه فأعلمكم أن الناس يبعثون في أجسادهم.
فركب الملك والناس معه حتى انتهوا إلى الكهف. وتقدم الرجل حتى إذا دخل على أصحابه فرآهم ورأوه ماتوا لأنهم قد كانت أتت عليهم آجالهم. فقال القوم : كيف نصنع بهؤلاء ؟ فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ( ٢١ ). ف قال الذين غلبوا على أمرهم ( ٢١ ) رؤساؤهم وأشرافهم. وقال بعضهم : مؤمنوهم. لنتخذنّ عليهم مسجدا }٥ ( ٢١ ).
سعيد عن قتادة عن عكرمة أنهم كانوا بني الأكفاء والرقباء، ملوك الروم رزقهم الله الإسلام ففروا بدينهم، اعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف فضرب الله على ( أسمختهم )٦. فلبثوا دهرا طويلا حتى هلكت أمتهم وجاءت أمة مسلمة. وكان ملكهم مسلما، فاختلفوا في الروح والجسد، فقال قائلون : يبعث الأرواح والجسد معا، وقال قائلون : يبعث الروح وأما الجسد فتأكله الأرض ولا يكون شيئا. فشق على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المسوح وقعد على الرماد ثم دعا الله فقال : رب إنك قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث إليهم آية تُبين لهم، فبعث الله أصحاب الكهف. فبعثوا أحدهم ليشتري لهم من الطعام فجعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق ورأى الإيمان في المدينة ظاهرا. فانطلق وهو مستخف حتى انتهى إلى رجل ليشتري من طعامه، فلما أبصر صاحب الطعام الورق أنكرها. قال له الرجل : أليس ملككم ( فلانا )٧ ؟ قال : لا، بل ملكنا فلان. فلم يزالا بينهما حتى رفعه إلى الملك، فأخبره صاحب الكهف بحديثه وأمره. فبعث الملك في الناس فجمعهم فقال : إنكم اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية وبيّن لكم الذي اختلفتم فيه، فهذا رجل من قوم فلان، يعني ملكهم الذي مضى، فقال صاحب الكهف : انطلقوا إلى أصحابي، فركب الملك وركب معه الناس حتى انتهوا إلى الكهف، فقال الرجل : دعوني حتى أدخل على أصحابي. فلما أبصرهم وأبصروه ضرب الله على أسمختهم. فدخل الناس عليهم فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا غير أنه لا أرواح فيها. فقال الملك : هذه آية بعثها الله لكم٨. قال الذين غلبوا على أمرهم ( ٢١ ) ملوكهم وأشرافهم. لنتخذن عليهم مسجدا ( ٢١ ).
٢ - الطبري، ١٥/٢٢٥..
٣ - النبأ، ٣٨..
٤ - المطففين، ٦..
٥ - ساقطة في ع. انظر ابن أبي زمنين، ورقة: ١٩٣ وهي بقية الآية ولا يتم المعنى إلا بها..
٦ - السماخ: والج الأذن عند الدماغ وهو لغة في الصماخ، جمع أصمخة. لسان العرب، مادة: سمخ؛ في الطبري، ١٥/٢١٦ سمعهم..
٧ - في ع: فلان. الإصلاح من الطبري، ١٥/٢١٧..
٨ - الطبري، ١٥/٢١٦-٢١٧..
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي بالولاء، من تيم ربيعة، البصري ثم الإفريقي القيرواني