ولما كانوا بالرجم سمي القتل: رجما، وقد يسمى السب والشتم: رجما، وهو قول ابن جريج في هذه الآية (١)، وذلك لأنه رمي بالقبيح من القول.
وقوله تعالى: يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ قال ابن عباس: (يردوكم إلى دينهم) (٢)، وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا أي: إن رجعتم إلى دينهم لن تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة.
قال الزجاج: ("إذ" يدل على الشرط، أي: ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبدًا) (٣).
٢١ - وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ الآية. قال العلماء بأخبار القدماء: (إن الفتية لما هربوا من ملكهم دقيانوس ودخلوا الكهف، أمر دقيانوس بالكهف أن يسد عليهم، ويدعوهم كما هم في الكهف يموتوا عطشًا وجوعًا، وليكن كهفهم الذي اختاروا قبرًا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ، وقد توفي الله تعالى أرواحهم وفاة النوم، ثم إن رجلين مؤمنين كتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم في لوح من رصاص، وجعلاه في تابوت من نحاس، وجعلا التابوت في البنيان الذي بنوا على باب الكهف، وقالا: لعل الله يظهر على هؤلاء قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم خبرهم حين يقرأ هذا الكتاب. ثم انقرض أهل ذلك الزمان وخلفت بعدهم قرون وملوك كثيرة، وملك أهل تلك
(٢) ذكره "زاد المسير" بدون نسبة ٥/ ١٢٢، و"التفسير الكبير" ١١/ ١٠٣.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٧٦.
البلاد رجل صالح يقال له: تندوسيس، وتحزب الناس في ملكه أحزابًا منهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب، فكبر ذلك على الملك الصالح وبكى إلى الله وتضرع إليه، وقال: أي رب، قد ترى اختلاف هؤلاء فأبعث لهم آية تبين لهم أن البعث حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها. فألقى الله تعالى في نفس رجل (١) من أهل ذلك البلد الذي هو به الكهف أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف فيبني (٢) به حظيرة لغنمه ففعل ذلك، وحجب الله الفتية عن الناس بالرعب، فلم يتجاسر أن يدخل عليهم أحد، وبعث الله الفتية من نومهم فجلسوا فرحين، وأرسلوا أحدهم ليطلب لهم طعامًا، فاطلع الناس على أمرهم كما ذكر في القصة، وبعثوا إلى الملك الصالح تندوسيس ليعلمونه الخبر، ليعجل القدوم عليهم وينظر إلى آية من آيات الله جعلها الله في ملكه آية للعالمين، فتية بعثهم الله وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة، فلما بلغه الخبر حمد الله تعالى، وركب معه أهل مدينته حتى أتوا مدينة أصحاب الكهف، ثم صعدوا نحو الكهف حتى أتوه. فذلك قوله: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ، أي: أطلعنا وأظهرنا عليهم)، كذا قال المفسرون (٣). وذكرنا هذا عند قوله: فَإِنْ عُثِرَ [المائدة: ١٠٧].
وقوله تعالى: لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ قال ابن عباس: (يريد الملك
(٢) في (س): (فيجنى)، وهو تصحيف.
(٣) انظر: "جامع البيان" ١٥/ ٢٢٥، و"الكشاف" ٢/ ٣٨٤، و "تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٨٧، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٠/ ٣٧٨، و"الدر المنثور" ٤/ ٣٨٨.
ورعيته) (١)، أن البعث والثواب والعقاب حق، والقيامة لا شك فيها.
وقوله تعالى: إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ اختلفوا في هذا التنازع، فالأشبه ما قال عكرمة: (أن أهل ذلك الزمان تنازعوا بالبعث) (٢). كما ذكرنا في القصة.
والمراد بقوله: أَمْرَهُمْ ما تنازعوا فيه من أمر البعث. و إِذْ منصوب بقوله: أَعْثَرْنَا، والمعنى: أطلعنا عليهم إذ وقعت المنازعة في أمرهم (٣). قال أبو إسحاق: (ويجوز أن يكون منصوبًا بقوله: لِيَعْلَمُوا أي: ليعلموا في وقت منازعتهم) (٤).
وقال ابن عباس في رواية عطاء في قوله: إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ (وذلك أن الرجل إذ خرج ليشتري لهم الطعام لما وقف يتنازع، نظروا إلى درهمه، فإذا عليه صورة دقيانوس)، وذكر القصة (٥). فعلى هذا التنازع: هو تنازع القوم مع هذا الواحد الذي كان يطلب لهم الطعام وتكذيبهم إياه فيما كان يخبر به.
وقال قوم: (يعني تنازعوا في قدر مكثهم ولبثهم) (٦). وقيل: (تنازعوا
(٢) "تفسير كتاب الله العزيز" ٢/ ٢١، و"معالم التنزيل" ٣/ ١٥٦، و"زاد المسير" ٥/ ١٢٣.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٧٦، و"إملاء ما من به الرحمن" ص ٢٩٦.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٢٧٦.
(٥) "النكت والعيون" ٣/ ٢٩٥، و"الكشاف" ٢/ ٣٨٤، و"زاد المسير" ٥/ ١٢٣، و"تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٨٧.
(٦) "معالم التنزيل" ٥/ ١٦١، و"التفسير الكبير" ١١/ ١٠٤.
في عددهم) (١)، وهذا لا يتجه؛ لأن قوله: إِذْ يَتَنَازَعُونَ إما أن يتعلق بقوله: أَعْثَرْنَا، أو بقوله: لِيَعْلَمُوا على ما بينا. وإذا جعلنا التنازع في قدر المكث أو في العدد لم يصح المعنى، إلا أن يجعل تمام الكلام عند قوله: لَا رَيْبَ فِيهَا، ثم يقول: إِذْ يَتَنَازَعُونَ، أي: اذكر يا محمد إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ: مدة مكثهم، أو في عددهم فلا يتعلق بما قبله. ومنهم من قال: (هذا التنازع يعود إلى التنازع في البنيان، والمسجد)، يروى هذا عن ابن عباس (٢). يدل على هذا سياق الآية، وهو قوله: فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا، يعني استروهم من الناس، قال ذلك المفسرون (٣).
وقوله تعالى: رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ يدل على أنه وقع تنازع في عدتهم، فمعنى: رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ، أي: بعددهم كما قال: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ [الكهف: ٢٢]، ويحتمل أن هذا من قول الله ابتداء، ويحتمل أنه من قول بعض الناس الذين تكلموا في عددهم (٤).
وقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ قال ابن عباس: (يريد المؤمنين الذين لم يشكوا في البعث). قال المفسرون: (هم تندوسيس الملك وأصحابه) (٥).
(٢) ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "النكت والعيون" ٣/ ٢٩٦، و"معالم التنزيل" ٥/ ١٦١، و"زاد المسير" ٥/ ١٢٣، و"البحر المحيط" ٦/ ١١٣.
(٣) "الكشاف" ٢/ ٣٨٤، و"زاد المسير" ٥/ ١٢٣، و"تفسير القرآن العظيم" ٣/ ٨٧، أي: سددوا عليم باب كهفهم، و"التفسير الكبير" ١١/ ١٠٥.
(٤) "البحر المحيط" ٦/ ١١٣، و"التفسير الكبير" ١١/ ١٠٥.
(٥) "معالم التنزيل" ٥/ ١٦١، و"الكشاف" ٢/ ١٨٤، و"زاد المسير" ٥/ ١٢٤، و"روح المعاني" ١٥/ ٢٣٦.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي