عَلَى كهفهم ذات اليمين ولا تدخل عليهم، وذات الشمال. والعربُ تَقُولُ: قرضته ذات اليمين وحذوته وكذلك ذات الشمال وقُبُلًا ودُبُرًا، كل ذَلِكَ أي كنت بِحذائه من كل ناحية.
وقوله: ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [١٨] الْوَصِيد: الفناء. والوصيد والأصيد لغتان مثل الإكاف «١» والوكاف «٢»، ومثل أرَّخت الكتاب وورخته، ووكدت الأمر وأكدّته، ووضعته يتنا «٣» وأَتْنا «٤» ووتْنَا «٥» يعني الْوَلد. فأمّا قول العرب: واخيت ووامرت وواتيت وواسيت فإنها بنيت على المواخاة والمواساة والمواتاة والمؤامرة، وأصلها الهمز كما قيل: هو سول منك، وأصله الْهَمْز فبُدِّل وَاوًا وبُني على السؤال.
وقوله «٦» :(فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) أي ناحية متّسعة.
وقوله: (وَلَمُلِئْتَ) بالتخفيف قرأه عَاصِم والأعمش وقرأ «٧» أهل المدينة (وَلَمُلِّئْتَ مِنْهُمْ) مشددًا. وهذا خوطب بِهِ مُحَمَّد صلّى الله عليه وسلم.
وقوله: بِوَرِقِكُمْ [١٩] قرأها عَاصِم والأعمش بالتخفيف «٨» وهو الْوَرِق. ومن العرب من يقول الْوِرْق، كما يقال كَبِد وكِبْدٌ وكَبْدٌ، وَكَلِمَةٌ وَكَلْمَةٌ وكِلْمَة.
وقوله (فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى) يُقال: أحَلّ ذَبيحة لأنهم كانوا مَجوسًا.
وقوله: أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ [٢١] أظهرنا وأطلعنا. ومثله فِي المائدة (فَإِنْ عُثِرَ «٩» ) : اطّلع (واحد «١٠» الأيقاظ يقظ ويقظ).
(٢) هو برذعة الحمار. [.....]
(٣) هو أن تخرج رجلا المولود قبل يديه.
(٤) هو أن تخرج رجلا المولود قبل يديه.
(٥) هو أن تخرج رجلا المولود قبل يديه.
(٦) هذا فى الآية ١٧
(٧) ش، ب: «قرأها».
(٨) أي بإسكان الراء. والتخفيف عند عاصم فى رواية أبى بكر، أما رواية حفص عنه فكسر الراء.
(٩) الآية ١٠٧ سورة المائدة.
(١٠) ما بين القوسين مكانه فى الآية ١٧ السابقة ففيها: «وتحسبهم أيقاظا وهم رقود».
قوله: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [٢٢] قَالَ ابن عباس: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم.
وقال ابن عباس: أنا من القليل الَّذِينَ قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: (مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ).
ثم قال الله تبارك وتعالى لنبيه عَلَيْهِ السَّلَام (فَلا تُمارِ فِيهِمْ) يا محمد (إِلَّا مِراءً ظاهِراً) إلا أن تحدّثهم بِهِ حديثًا.
وقوله: (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ) فِي أهل الكهف (مِنْهُمْ) من النصارى (أَحَداً) وهم فريقان أتوه من أهل نجران: يعقوبي ونُسطوري. فسألهم النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن عددهم، فنُهِيَ.
فذلك قوله (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً).
وقوله: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً [٢٣] إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [٢٤] إلا أن تَقُولَ:
إن شاء الله (ويكون مع القول «١» : ولا تقولنه إلا أن يشاء الله) أي إلا ما يُريد الله.
وقوله (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ) قَالَ ابن عباس: إذا حلفت فنسيت أن تستثني فاستثن متى ما ذكرت ما لَمْ تَحْنَث.
وقوله: ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ [٢٥] مضافة «٢». وقد قرأ كَثِير من القراء (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ) يريدونَ ولبثوا فِي كهفهم سنين ثلاثمائة فينصبونها بالفعل.
ومن العرب من يضع السنين فِي موضع سنة فهي حينئذ فِي موضع خفض لمن أضاف. ومن نَوَّن عَلَى هَذَا المعنى يريدُ الإضافة نصب السنين بالتفسير للعدد كقول عنترة:
| فيها اثنتان وأربعونَ حَلُوبةً | سُودا كخافية الْغُرابِ الْأَسْحَمِ «٣» |
(٢) هذه قراءة حمزة والكسائي وخلف، وافقهم الحسن والأعمش.
(٣) هذا من معلقته. وقوله: «فيها» أي في حمولة أهل محبوبته التي يتغزل بها. والحلوبة: المحلوبة يريد؟؟؟.
وخافية الغراب آخر ريش الجناح مما يلى الظهر. والأسحم: الأسود.
وقوله: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ [٢٦] يريدُ الله تبارك وتعالى كقولك فِي الكلام: أكرم بعبد الله ومعناهُ: ما أكرم عبد الله وكذلك قوله (أَسْمِعْ «١» بِهِمْ وَأَبْصِرْ) : ما أسمعهم ما أبصرهم. وكل ما كَانَ فِيهِ معنى من المدح والذم فإنك تَقُولُ «٢» فِيهِ: أظرف بِهِ وأكرم بِهِ، ومن الياء والواو: أطيب بِهِ طعامًا، وأجود بِهِ ثوبًا، ومن المضاعف تظهر فِيهِ التضعيف ولا يجوز الإدغام، كما لَمْ يجز نقص الياء ولا الواو لأن أصله ما أجوده وما أشده وأطيبه فترك عَلَى ذَلِكَ، وأمّا أشدد بِهِ فإنه ظهر التضعيف لسكون اللام من الفعل، وترك فِيهِ التضعيف فلم يدغم لأنه لا يثنى ولا يؤنث، لا تقول للاثنين:
أشدَّا بِهما، ولا للقوم أشِدُّوا بِهم. وإنّما استجازت العرب أن يقولوا مُدّ فِي موضع أمدد لأنهم قد يقولون فِي الاثنين: مُدَّا وللجميع: مُدُّوا، فبُني الواحدُ عَلَى الجميع.
وقوله (وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) ترفع إذا كَانَ «٣» بالياء عَلَى: وليس يُشرك. ومن «٤» قَالَ (لا تُشْرِكْ) جزمها لأنها نَهْي.
وقوله: مُلْتَحَداً [٢٧] الْمُلْتَحد: الملجأ.
وقوله: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [٢٨] قرأ «٥» أَبُو عبد الرحمن السلمي (بالغُدْوةِ والْعَشِيِّ) ولا أعلمُ أحدًا قرأ غيره. والعربُ لا تُدخل الألف واللام فِي الغدوة لأنها معرفة بغير ألف ولام سمعت أبا الجراح يقول: ما رأيتُ كغُدْوة قَطُّ، يعني غداة يومه. وذاك أنَّها كانت باردة ألا ترى أن العرب لا تضيفها فكذلك لا تُدخلها الألف واللام.
إنّما يقولون: أتيتك غَدَاة الخميس، ولا يقولون: غُدْوَة الخميس. فهذا دليل على أنها معرفة.
(٢) سقط فى ا.
(٣) ا: «كانت». [.....]
(٤) هو ابن عامر، وافقه المطوعى والحسن.
(٥) هى قراءة ابن عامر من السبعة. وقد ورد تنكير غدوة حكاه سيبويه والخليل عن العرب، فعلى هذا جاءت هذه القراءة ولا يصح إنكارها. وانظر البحر المحيط ٤/ ١٣٦
معاني القرآن للفراء
أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الفراء
أحمد يوسف نجاتي