ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ

تفسير المفردات : الساعة : يوم القيامة حين يبعث الله الخلائق جميعا للحساب والجزاء. والتنازع : التخاصم. والذين غلبوا على أمرهم : هم رؤساء البلد، لأنهم هم الذين لهم الرأي في مثل هذا. والمسجد : معبد المؤمنين من تلك الأمة وكانوا نصارى على المشهور. والرجم : القول بالظن ويقال لكل ما يخرص : رجم فيه وحديث مرجوم ومرجّم كما قال :
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجّم
الإيضاح : وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها أي وكما بعثناهم بعد طول رقدتهم كهيئتهم حين رقدوا، ليتساءلوا بينهم فيزدادوا بصيرة بعظيم سلطانه تعالى، ومعرفة حسن دفاع الله عن أوليائه – أعثرنا عليهم الفريق الآخر الذين كانوا في شك من قدرة الله على إحياء الموتى، وفي مرية من إنشاء أجسام خلقه كهيئتهم يوم قبضهم بعد البلى، ليعلموا أن وعد الله حق، ويوقنوا أن الساعة آتية لا ريب فيها، إذ لا حجة لمن أنكرها إلا الاستبعاد، ولكن وقوع ذلك الأمر العظيم وعلمهم به، مما يخفف من غلوائهم، ويكبح جماح إنكارهم ويردهم إلى رشدهم.
ذاك أن حال هؤلاء الفتية في تلك الحقبة الطويلة، وقد حبست عن التصرف نفوسهم، وعطلت مشاعرهم وحواسهم، وحفظت من التحلل والتّفتت أبدانهم، وبقيت على ما كانت عليه من الطراوة والشباب، ثم رجعت بعدئذ تلك المشاعر والحواس إلى حالها، وأطلقت النفوس من عقالها، وأرسلت إلى تدبير أبدانها، فرأت الأمور كما كانت، والأعوان هم الأعوان، ولم تنكر شيئا عهدته في مدينتها، ولم تتذكر حبسها المدى الطويل عن التصرف في شؤونها – وحال الذين يقومون من قبورهم بعدما تعطلت مشاعرهم وحبست نفوسهم – من واد واحد في الغرابة، ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو معاند، ووقوع الأول يزيل الارتياب في إمكان وقوع الثاني، ولا يبقى بعد ذلك شك في أن وعد الله حق، وأن الله سيبعث من في القبور، فيردّ عليهم أرواحهم، ويجازيهم جزاء وفاقا بحسب أعمالهم عن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهو الحكم العدل، اللطيف الخبير
إذ يتنازعون بينهم أمرهم أي وكذلك أطلعنا عليهم بيدروس وقومه حين ينازع بعضهم بعضا في أمر البعث، فمن مقرّ به، وجاحد له، وقائل تبعث الأرواح دون الأجساد – ففرح الملك وفرحوا بآية الله على البعث، وزال ما بينهم من الخلاف في أمر القيامة، وحمدوا الله إذ رأوا ما رأوا مما يثبتها، ويزيل كل ريب فيها.
ثم حكى آراء القوم في شأنهم بعد اطلاعهم عليهم فقال :
فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا أي إنهم انقسموا في شأنهم فريقين، فريق يقول : نسد عليهم باب الكهف ونذرهم حيث هم، وفريق يقول : نبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس، وقد غلب هذا الفريق الأول في الرأي.
وقوله ربهم أعلم بهم جملة معترضة من كلامه تعالى ردّا للخائضين في أمرهم ممن أعثروا عليهم، أو ممن كان في عهده صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب، في بيان أنسابهم وأسمائهم وأحوالهم ومدة لبثهم.
وقد ذكر العلماء أن اتخاذ القبور مساجد منهيّ عنه أشدّ النهي حتى ذكر ابن حجر في كتابه الزواجر انه من الكبائر، لما روي في صحيح الأخبار من النهي عن ذلك، روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لعن الله تعالى زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسّرج " وزاد مسلم :" ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك ".
وروى الشيخان والنسائي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لعن الله تعالى اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ".
وروى أحمد والشيخان والنسائي قوله صلى الله عليه وسلم :" إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق يوم القيامة ".
وروى أحمد والطبراني :" إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد ".
إلى نحو ذلك من الآثار الصحيحة، فليعتبر المسلمون اليوم بهذه الأخبار التي لا مرية في صحتها، وليقلعوا عما هم عليه من اتخاذ المساجد في أضرحة الأولياء والصالحين والتبرك بها، والتمسح بأعتابها، وليعلموا أن هذه وثنية مقنعة، وعود إلى عبادة الأوثان والأصنام على صور مختلفة، والعبرة بالجوهر واللب، لا بالعرض الظاهر فذلك إشراك بالله في ربوبيته وعبادته، وقد حاربه الدين أشدّ المحاربة، ونعى على المشركين ما كانوا يفعلون.
اللهم ألهم المسلمين رشدهم، وثبتهم في أمر دينهم، ولا تجعلهم يحذون حذو من قبلهم حذو القذّة بالقذة، وأرجعهم إلى مثل ما كان يفعله المسلمون في الصدر الأول وما بعده، فرجاله هم الأسوة، وقد صح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وجد قبر دانيال في عهده بالعراق أمر أن يسوّي بالأرض، وأن تدفن تلك الرّقعة التي وجدوها عنده وفيها شيء من الملاحم وغيرها من الأخبار.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير