( أولئك )أي : الذين آمنوا وعملوا الصالحات : لهم جنات عدنٍ " ٣١ " ( سورة الكهف ).
الجنات رأينا منها صورة في الدنيا، وتطلق إطلاقاً شرعياً وإطلاقاً لغوياً. أما الشرعي : فهو الذي نعرفه من أنها الدار التي أعدها الله تعالى لثواب المؤمنين في الآخرة. أما المعنى اللغوي : فهي المكان الذي فيه زرع وثمار وأشجار تواري من سار فيها وتستره ؛ ومادة الجيم والنون تدور كلها حول الاستتار والاختفاء فالجنون استتار العقل والجن مخلوقات لا ترى والجنة بالضم الدرع يستر الجسم عن المهاجم.. الخ.
وقلنا : إن الحق سبحانه حينما يحدثنا عن شيء غيبي يحدثنا بما يوجد في لغتنا من ألفاظ، واللغة التي نتكلم بها، يوجد المعنى أولاً ثم يوجد اللفظ الدال عليه، فإذا عرفنا أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، فإن نطق اللفظ نفهم معناه. فإذا كانت الأشياء التي يحدثنا الله عنها غيبا >كما قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " >
إذن : فمن أين نأتي بالألفاظ الدالة على هذه المعاني ونحن لم نعرفها ؟ لذلك يعبر عنها الحق سبحانه بالشبيه لها في لغتنا، لكن يعطيها الوصف الذي يميزها عن جنة الدنيا، كما جاء في قوله تعالى : مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماءٍ غير آسنٍ.. " ١٥ " ( سورة محمد ).
ونحن نعرف النهر، ونعرف الماء، لكن يأتي قوله :( غير آسن )ليميز ماء الدنيا، وكذلك في : أنهار من خمرٍ لذةٍ للشاربين.. " ١٥ " ( سورة محمد ) : فالخمر في الدنيا معروفة ؛ لكنها ليست لذة لشاربها، فشاربها يبتلعها بسرعة ؛ لأنه لا يستسيغ لها طعماً أو رائحة، كما تشرب مثلاً كوباً من العصير رشفة لتلتذ بطعمه وتتمتع به، كما أن خمر الدنيا تغتال العقول على خلاف خمر الآخرة ؛ لذلك لما أعطاها اسم الخمر لنعرفها ميزها بأنها لذة، وخمر الدنيا ليست كذلك ؛ لأن لغتنا لا يوجد بها الأشياء التي سيخلقها الله لنا في الجنة، فبها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، والعين إدراكاتها أقل من إدراكات الأذن ؛ لأن العين تعطيك المشهد الذي رأيته فحسب، أما الأذن فتعطيك المشهد الذي رأيته والذي رآه غيرك، ثم يقول : " ولا خطر على قلب بشر " فوسع دائرة ما في الجنة، مما لا نستطيع إدراكه. وكذلك في قوله تعالى : وأنهار من عسلٍ مصفى.. " ١٥ " ( سورة محمد ).
ونحن نعرف العسل فميزه هنا بأنه مصفى، ومعروف أن العسل قديماً كانوا يأخذونه من الجبال، وكان يعلق به الحصى والرمل ؛ لذلك ميز عسل الجنة بأنه مصفى. وكذلك في قوله سبحانه : سدرٍ مخضودٍ " ٢٨ " ( سورة الواقعة ) : ونعرف سدر الدنيا، وهو نوع من الشجر له شوك، وليس كذلك سدر الجنة ؛ لأنه سدر مخضود لا شوك فيه، ولا يدمي يديك كسدر الدنيا. وهنا ميز الله الجنة في الآخرة عن جنات الدنيا، فقال : جنات عدن.. " ٣١ " ( سورة الكهف ) : أي : إقامة دائمة لا تنتهي ولا تزول، وليست كذلك جنات الدنيا، فهب أن واحداً يتمتع في الدنيا بالدور والقصور في الحدائق والبساتين التي هي جنة الدنيا، فهل تدوم له ؟ إن جنات الدنيا مهما عظم نعيمها، إما أن تفوتك، وإما أن تفوتها.
والعدن اسم للجنة، فهناك فرق بين المسكن والمسكن في الجنة، كما ترى حدائق عامة وحدائق خاصة، فالمؤمن في الجنة فه مسكن خاص في جنة عدن.
ويقول تعالى عن أنهار الجنة : تجري من تحتها الأنهار.. " ١٢ " ( سورة محمد ).
وفي آية أخرى يقول : تجري تحتها الأنهار.. " ١٠٠ " ( سورة التوبة ) : ليعطينا صورة لجريان الماء، ففي قوله : تجري تحتها الأنهار " ١٠٠ " ( سورة التوبة ) : يدل على أن الماء يأتيها من بعيد، وقد تخشى أن يمنعه أحد عنك أن يسده دونك ؛ لذلك يقول لك : اطمئن فالماء يجري ( من تحتها )أي : من الجنة نفسها لا يمنعه أحد عنك.
وفي هذه الآية كأن الحق سبحانه وتعالى يعطينا إشارة لطيفة إلى أننا نستطيع أن نجعل لنا مساكن على صفحة الماء، وأن نستغل المسطحات المائية في إقامة المباني عليها، خذ مثلاً المسطحات المائية للنيل، أو الرياح التوفيقي من القناطر الخيرية حتى دمياط لوجدت مساحات كبيرة واسعة يمكن بإقامة الأعمدة في الماء، واستخدام هندسة البناء أن نقيم المساكن الكافية لسكني أهل هذه البلاد، وتظل الأرض الزراعية كما هي للخضرة وللزرع ولقوت الناس.
ويمكن أن تطبق هذه الطريقة أيضاً في الريف، فيقيم الفلاحون بيوتهم وحظائر مواشيهم بنفس الطريقة على الترع والمصارف المنتشرة في بلادنا، ولا نمس الرقعة الزراعية.
لقد هجمت الحركة العمرانية على الجيزة والدقي والمهندسين، وكانت في يوم من الأيام أراضي تغل كل الزراعات، وتخدم تموين القاهرة. ولما استقدموا الخبراء الأجانب لتوسيع القاهرة توجهوا إلى الصحراء وأنشأوا مصر الجديدة، ولم يعتد أحد منهم على شبر واحد من الأرض الزراعية، بل جعلوا في تخطيطهم رقعة خضراء لكل منزل.
إذن : في الآية لفتة يمكن أن تحل لنا أزمة الإسكان، وتحمي لنا الرقعة الزراعية الضيقة. ثم يقول تعالى : يحلون فيها من أساور من ذهب.. " ٣١ " ( سورة الكهف ).
وقد يقول قائل : وما هذه الأساور من الذهب التي يتحلى بها الرجال ؟ هذه من الزخرف والزينة، نراه الآن في طموحات الإنسان في زخرفية الحياة، فنرى الشباب يلبسون ما يسمى ( بالانسيال )وكذلك أساور الذهب في الآخرة زينة وزخرف، وفي آية أخرى، يقول تعالى : وحلوا أساور من فضة.. " ٢١ " ( سورة الإنسان ).
ومرة أخرى يقول : يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير " ٣٣ " ( سورة فاطر )
فالأساور إما من ذهب أو فضة أو لؤلؤ ؛ لذلك قال صلى الله عليه وسلم عن هذه الحلية في الآخرة أنها تبلغ ما بلغه الوضوء عند المؤمن. ونلحظ في قوله تعالى : يحلون فيها من أساور من ذهب.. " ٣١ " ( سورة الكهف ) : أن التحلية هنا للزينة، وليست من الضروريات، فجاء الفعل ( يحلون )أي : حلاهم غيرهم ولم يقل يتحلون ؛ لذلك لما تكلم بعدها عن الملبس، وهو من الضروريات قال : ويلبسون ثياباً خضراً من سندسٍ وإستبرقٍ.. " ٣١ " ( سورة الكهف ).
فأتى بالفعل مبنياً للمعلوم ؛ لأن الفعل حدث منهم أنفسهم بالعمل، أما الأولى فكانت بالفضل من الله، وقد قدم الفضل على العمل، كما قال تعالى في آية أخرى : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا.. " ٥٨ " ( سورة يونس ) : أي : إياك أن تقول هذا بعملي، بل بفضل الله وبرحمته.
<لذلك نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يقر بهذه الحقيقة، فيقول : " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " >
ذلك لأنك لو نظرت إلى عملك لوجدته بعد تكليفك الذي كلفت به في سن البلوغ، وقد عشت طوال هذه المدة ترتع في نعم الله ورزقه دون أن يكلفك بشيء ؛ لذلك مهما قدمت لله تعالى من طاعات، فلن تفي بما أنعم به عليك.
وما تفعله من طاعات إنما هو وفاء لحق الله، فإذا أدخلناك الجنة كان فضلاً من الله عليك، لأنك أخذت حقك سابقاً ومقدماً في الدنيا، لكنه قسم هنا فقال : ويلبسون.. " ٣١ " ( سورة الكهف ) : أي : بما عملوا، أما في الزينة والتحلية فقال :( يحلون )كالرجل الذي يجهز ابنته للزواج فيأتي لها بضروريات الحياة، ثم يزيدها على ذلك من الكماليات وزخرف الحياة من نجف أو سجاد أو خلافه.
واللباس من ضروريات الحياة التي امتن الله بها على عباده، كما جاء في قوله تعالى : يا بني آدم قد أنزلنا عليك لباساً يواري سوءاتكم وريشاً.. " ٢٦ " ( سورة الأعراف ) : والريش : هو الكماليات التي يتخذها الناس للفخفخة والمتعة، وهو ما زاد عن الضروريات. والسندس : هو الحرير الرقيق، والإستبرق : الحرير الغليظ السميك.
وقد وقف العلماء عند هذه الكلمة ( الإستبرق )وغيرها من الكلمات غير العربية مثل : القسطاس، وهي كلمات فارسية الأصل، أو كلمة ( آمين )التي نتخذها شعاراً في الصلاة وأصلها يمني أو حبشي. وقالوا : كيف يستخدم القرآن مثل هذه الألفاظ، وهو قرآن عربي ؟
نقول : هل أدخل القرآن هذه الألفاظ في لغة العرب ساعة نزل، أم جاء القرآن وهي سائرة على ألسنة الناس يتكلمون بها ويتفاهمون ؟ لقد عرف العرب هذه الكلمات واستعملوها، وأصبحت ألفاظاً عربية دارت على الألسنة، وجرت مجرى الكلمة العربية.
ومن الكلمات التي دخلت العربية حديثاً استخدمت ككلمة عربية ( بنك )، وربما كانت أخف في الاستعمال من كلمة ( مصرف ) ؛ لذلك أقرها مجمع اللغة العربية وأدخلها العربية.
إذن : فهذا القول يمكن أن يقبل لو أن القرآن جاء بهذه الألفاظ مجيئاً أولياً، وأدخلها في اللغة ولم تكن موجودة، لكن القرآن جاء ليخاطب العرب، وماداموا قد فهموا هذه الألفاظ وتخاطبوا بها، فقد أصبحت جزءاً من لغتهم.
ثم يقول تعالى : متكئين فيها على الأرائك.. " ٣١ " ( سورة الكهف ) : الاتكاء : أن يجلس الإنسان على الجنب الذي يريحه، والأرائك : هي السرر التي لها حلية مثل الناموسية مثلاً.
نعم الثواب.. " ٣١ " ( سورة الكهف ) : كلام منطقي : وحسنت مرتفقاً " ٣١ " ( سورة الكهف ) : أي : أن هذا هو مقتضى الحال فيها، على خلاف ما أخبر به عن أهل النار : وساءت مرتفقاً " ٢٩ " ( سورة الكهف ).
تفسير الشعراوي
الشعراوي