ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

قوله : وَوُضِعَ الكتاب : العامة على بنائه للمفعول، وزيد١ بن عليٍّ على بنائه للفاعل، وهو الله، أو الملك، و " الكِتاب " منصوب مفعولاً به، و " الكتابُ " جنس للكتب ؛ إذ من المعلوم أنَّ لكلِّ إنسانٍ كتاباً يخصُّه، وقد تقدَّم الوقف على " مَا لهذا الكتابِ " وكيف فصلت لام الجرِّ من مجرورها خطًّا في سورة النساء عند فَمَا لهؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [ النساء : ٧٨ ].
و " لا يُغَادِرُ " جملة حالية من " الكتاب ". والعامل الجار والمجرور ؛ لقيامه مقام الفعل، أو الاستقرار الذي تعلق به الحال.
قوله :" إلاَّ أحْصَاهَا " في محل نصب نعتاً لصغيرة وكبيرة، ويجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني ؛ لأنَّ " يُغَادِرُ " بمعنى " يترك " و " يتركُ " قد يتعدَّى لاثنين ؛ كقوله :[ البسيط ]

. . . . . . . . . . . . . . . . . فَقدْ تَركْتُكَ ذَا مَالٍ وذَا نَشبِ٢
في أحد الوجهين.
روى أبو هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال :" يُحشَرُ النَّاس على ثلاثِ طرائقَ رَاغبينَ رَاهبينَ، فاثْنانِ على بَعيرٍ، وثَلاثةٌ على بَعيرٍ، وأرْبعةٌ على بَعيرٍ، وعَشرةٌ على بَعيرٍ، وتَحشُرُ بقيَّتهُم النَّارُ، تَقيلُ مَعهُمْ، حَيْثُ قَالُوا، وتَبِيتُ معهم ؛ حيث باتوا، وتُصْبِحُ معهم، حيث أصبحُوا، وتمسي معهم، حيث أمسوا " ٣.
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت :" قلت : يا رسول الله كيف يُحْشَر النَّاسُ يوم القِيامة ؟ قال : حُفاةً عُراةً، قالت : قلتُ : والنِّساء ؟ قال : والنِّساء، قالت : قلت : يا رسول الله، أستحي، قال : يا عائشة، الأمر أشدُّ من ذلك ؛ أن يهمهم أن ينظر بعضهم لبعض " ٤.
ووضع الكتابُ، يعني كتب أعمال العباد، توضع في أيدي الناس في أيمانهم.
وقيل : توضعُ بين يدي الله عزَّ وجلَّ، فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ خائفين مِمَّا فِيهِ في الكتاب من الأعمال الخبيثة، كيف تظهر لأهل الموقف، فيفتضحون وَيَقُولُونَ إذا رأوها : ياويلتنا يا هلاكنا، والويلُ والويلة : الهلكة، وكأنَّ كلَّ من وقع في مهلكة، دعا بالويل، ومعنى النِّداء تنبيه المخاطبين.
مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً من ذنوبنا.
قال ابن عباس : الصَّغيرة : التبسُّم، والكبيرة : القهقهة٥.
قال سعيد بن جبير : الصغيرة : اللَّمم، [ والمسُّ، و القبلة ]٦، والكبيرة : الزِّنا٧.
إِلاَّ أَحْصَاهَا وهو عبارة عن الإحاطة، أي : ضبطها وحصرها، وإدخال تاء التأنيث في الصغيرة والكبيرة، على تقدير أنَّ المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة.
قال - عليه الصلاة والسلام - :" إيَّاكُم ومحقِّرات الذنوب ؛ فإنَّما مثلُ محقِّرات الذنوب ؛ مثل قوم نزلوا ببطنِ وادٍ، فجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، حتَّى أنضجوا خبزتهم، وإنَّ محقِّراتِ الذنوب لموبقاتٌ " ٨.
وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً مكتوباً في الصَّحيفة.
وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً لا ينقص ثواب أحدٍ عمل خيراً.
وقال الضحاك : لم يؤاخذ أحداً بجرم لم يعمله٩.

فصل في الرد على المجبرة


قال الجبائي١٠ : هذه الآية تدلُّ على فساد قول المجبرة في مسائل :
أحدها : أنه لو عذَّب عباده من غير ذنب صدر منهم، لكان ظالماً.
وثانيها : أنه لا يعذِّب الأطفال بغير ذنب.
وثالثها : بطلان قولهم : لله أن يفعل ما شاء، ويعذِّب من غير جرم ؛ لأنَّ الخلق خلقه، إذ لو كان كذلك، لما كان لنفي الظلم عنه معنى ؛ لأنَّ بتقدير أنه إذا فعل أي شيءٍ، لم يكن ظلماً منه ؛ لم يكن لقوله :" إنَّه لا يظلمُ " فائدة.
فإن قيل : أيُّ فائدة في ذلك ؟.
فالجواب عن الأوَّل بمعارضة العلم والدَّاعي.
وعن الثاني : أنَّه تعالى، قال : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ [ مريم : ٣٥ ] ولم يدلَّ هذا على أنَّ اتخاذ الولد يصحُّ عليه، فكذلك ها هنا.
١ ينظر: البحر المحيط ٦/١٢٨، الدر المصون ٤/٤٦٣..
٢ تقدم..
٣ أخرجه البخاري ١١/٣٨٥، كتاب الرقاق: باب كيف الحشر (٦٥٢٢) ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها: باب فناء الدنيا (٥٩ ـ ٢٨٦١) والنسائي في المصدر السابق (٢٠٨٥)..
٤ أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها: باب فناء الدنيا (٥٨ ـ ٢٨٥٩) والنسائي ٤/١١٤- ١١٥ كتاب الجنائز : باب البعث (٢٠٨٤) وأخرجه أحمد في المسند٦/٥٣..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٣٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٤١١) وزاد نسبته إلى ابن مردويه وابن أبي الدنيا في "ذم الغيبة" وابن أبي حاتم..
٦ في ب: والمسيس والقبل..
٧ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٦٦)..
٨ أخرجه أحمد في "مسنده" (٥/٣٣١)..
٩ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/١٦٦)..
١٠ ينظر: الفخر الرازي ٢١/١١٤..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية