تفسير المفردات : ووضع الكتاب : أي جعل كتاب كل عامل في يد صاحبه حين الحساب. مشفقين : أي خائفين. والويل : الهلاك. ويا ويلتنا : أي يا هلاك أقبل فهذا أوانك. أحصاها : أي عدّها. حاضرا : أي مسطورا في كتاب كل منهم. ولا يظلم ربك : أي لا يتجاوز ما حدّه من الثواب والعقاب.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه أن الدنيا ظل زائل، وأنه لا ينبغي أن يغتر أحد بزخرفها ونعيمها، بل يجب أن يكون موضع التفاخر العمل الصالح الذي فيه رضا الله وانتظار مثوبته في جنات تجري من تحتها الأنهار – أردف ذلك ذكر أحوال يوم القيامة وما يكون فيها من أخطار وأهوال، وأنه لا ينجي منها إلا اتباع ما أمر به الدين وترك ما نهى عنه مما جاء على لسان الأنبياء والمرسلين، لا الأموال التي يفتخر بها المشركون على المؤمنين.
الإيضاح :( ٥ ) ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه أي ووضع كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير في يد صاحب اليمين والشمال، فترى المجرمين جميعا نادمين على ما فيه من قبائح أعمالهم وسيء أفعالهم وأقوالهم، وظهور ذلك لأهل الموقف، خائفين من عقاب الحق، والفضيحة عند الخلق.
ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها أي ويقولون حين وقوفهم على ما في تضاعيفه : يا حسرتنا على ما فرطنا في جنب الله، ما لهذا الكتاب لا يترك هنة صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وعدّها، فهو محيط بجميع ما كسبته يد الإنسان.
ونحو الآية قوله : وإن عليكم لحافظين ١٠ كراما كاتبين ١١ يعلمون ما تفعلون [ الانفطار : ١٠ -١٢ ] وقوله : إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون [ الجاثية : ٢٩ ] وما مثل النفس إلا مثل الزجاجة التي يضعها المصور في صندوق آلة التصوير، فكل صورة تقع عليها تلتقطها وتحفظها من ضار ونافع، فإذا كشف الغطاء أبصرنا كل ما عملنا ورأينا صوره كما هي من حسن وسيء، وفضيلة ورذيلة، فتفعل في عقولنا فعلها دون كلام ولا كتابة، وكل امرئ يراها يقرؤها والناس فيها سواء.
ثم أكد ما سلف بقوله :
ووجدوا ما عملوا حاضرا مثبتا في كتابهم، خيرا كان أو شرا كما قال : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا [ آل عمران : ٣٠ ] الآية. وقال : ينبأ الإنسان بما قدم وأخر [ القيامة : ١٣ ].
ولا يظلم ربك أحدا من خلقه، بل يعفو ويصفح، ويغفر ويرحم، ويعذب من يشاء بحكمته وعدله، فإنه سبحانه وعد بإثابة المطيع، وتعذيب العاصي، بمقدار جرمه من غير زيادة، وإنه قد يغفر له ما سوى الكفر، ومن ثم لا يعذب أحدا بما لم يعمله ولا ينقص ثواب ما عمله مما أمر به وارتضاه، ولا يزيد في عقابه الملائم لعمله الذي نهى عنه ولم يرتضه.
ونحو الآية قوله : إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما [ النساء : ٤٠ ] وقوله : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين [ الأنبياء : ٤٧ ].
وخلاصة ذلك : إن الجزاء نتيجة العمل، والعمل مرسوم في قوالب حافظة له، فليس يمكن رفعه ولا دفعه، ولا يكون الجزاء عليه ظلما، كما لا تعد التخمة بعد الأكل الكثير ظلما، ولا المرض بعد الشرب من الماء الآسن المملوء بالجراثيم والأدران ظلما، وإنما تلك مسببات لأسباب كل عاقل يعلم أنها نتيجة حتمية لها.
تفسير المراغي
المراغي