هذا الدرس الأخير في سورة الكهف قوامه قصة ذي القرنين، ورحلاته الثلاث إلى الشرق وإلى الغرب وإلى الوسط، وبناؤه للسد في وجه يأجوج ومأجوج.
والسياق يحكي عن ذي القرنين قوله بعد بناء السد :( قال : هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء، وكان وعد ربي حقا ).. ثم يعقب الوعد الحق، بالنفخ في الصور ومشهد من مشاهد القيامة.. ثم تختم السورة بثلاثة مقاطع، يبدأ كل مقطع منها بقوله :( قل ).
وهذه المقاطع تلخص موضوعات السورة الرئيسية واتجاهاتها العامة. وكأنما هي الإيقاعات الأخيرة القوية في اللحن المتناسق..
ونظر ذو القرنين إلى العمل الضخم الذي قام به، فلم يأخذه البطر والغرور، ولم تسكره نشوة القوة والعلم. ولكنه ذكر الله فشكره. ورد إليه العمل الصالح الذي وفقه إليه. وتبرأ من قوته إلى قوة الله، وفوض إليه الأمر، وأعلن ما يؤمن به من أن الجبال والحواجز والسدود ستدك قبل يوم القيامة، فتعود الأرض سطحا أجرد مستويا.
( قال : هذا رحمة من ربي، فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء. وكان وعد ربي حقا )..
وبذلك تنتهي هذه الحلقة من سيرة ذي القرنين. النموذج الطيب للحاكم الصالح، يمكنه الله في الأرض، وييسر له الأسباب ؛ فيجتاح الأرض شرقا وغربا ؛ ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر، ولا يطغى ولا يتبطر، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق ؛ ولا يسخر أهلها في أغراضه وأطماعه.. إنما ينشر العدل في كل مكان يحل به، ويساعد المتخلفين، ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل ؛ ويستخدم القوة التي يسرها الله له في التعمير والإصلاح، ودفع العدوان وإحقاق الحق. ثم يرجع كل خير يحققه الله على يديه إلى رحمة الله وفضل الله، ولا ينسى وهو في إبان سطوته قدرة الله وجبروته، وأنه راجع إلى الله.
وبعد فمن يأجوج ومأجوج ؟ وأين هم الآن ؟ وماذا كان من أمرهم وماذا سيكون !
كل هذه أسئلة تصعب الإجابة عليها على وجه التحقيق، فنحن لا نعرف عنهم إلا ما ورد في القرآن، وفي بعض الأثر الصحيح.
والقرآن يذكر في هذا الموضع ما حكاه من قول ذي القرنين :( فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء، وكان وعد ربي حقا ).
وهذا النص لا يحدد زمانا. ووعد الله بمعنى وعده بدك السد ربما يكون قد جاء منذ أن هجم التتار، وانساحوا في الأرض، ودمروا الممالك تدميرا.
وفي موضع آخر في سورة الأنبياء :( حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. واقترب الوعد الحق... ).
وهذا النص كذلك لا يحدد زمانا معينا لخروج يأجوج ومأجوج فاقتراب الوعد الحق بمعنى اقتراب الساعة قد وقع منذ زمن الرسول [ ص ] فجاء في القرآن :( اقتربت الساعة وانشق القمر ) والزمان في الحساب الإلهي غيره في حساب البشر. فقد تمر بين اقتراب الساعة ووقوعها ملايين السنين أو القرون، يراها البشر طويلة مديدة، وهي عند الله ومضة قصيرة.
وإذن فمن الجائز أن يكون السد قد فتح في الفترة ما بين :( اقتربت الساعة ) ويومنا هذا. وتكون غارات المغول والتتار التي اجتاحت الشرق هي انسياح يأجوج ومأجوج.
وهناك حديث صحيح رواه الإمام أحمد عن سفيان الثوري عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها حبيبة، عن زينب بنت جحش - زوج النبي [ ص ] - قالت : استيقظ الرسول [ ص ] من نومه وهو محمر الوجه وهو يقول :" ويل للعرب من شر قد اقترب. فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا " وحلق [ بإصبعيه السبابة والإبهام ]. قلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال " نعم إذا كثر الخبيث ".
وقد كانت هذه الرؤيا منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا ونصف قرن. وقد وقعت غارات التتار بعدها، ودمرت ملك العرب بتدمير الخلافة العباسية على يد هولاكو في خلافة المستعصم آخر ملوك العباسيين. وقد يكون هذا تعبير رؤيا الرسول [ ص ] وعلم ذلك عند الله. وكل ما نقوله ترجيح لا يقين.
هذا الدرس الأخير في سورة الكهف قوامه قصة ذي القرنين، ورحلاته الثلاث إلى الشرق وإلى الغرب وإلى الوسط، وبناؤه للسد في وجه يأجوج ومأجوج.
والسياق يحكي عن ذي القرنين قوله بعد بناء السد :( قال : هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء، وكان وعد ربي حقا ).. ثم يعقب الوعد الحق، بالنفخ في الصور ومشهد من مشاهد القيامة.. ثم تختم السورة بثلاثة مقاطع، يبدأ كل مقطع منها بقوله :( قل ).
وهذه المقاطع تلخص موضوعات السورة الرئيسية واتجاهاتها العامة. وكأنما هي الإيقاعات الأخيرة القوية في اللحن المتناسق..
ونظر ذو القرنين إلى العمل الضخم الذي قام به، فلم يأخذه البطر والغرور، ولم تسكره نشوة القوة والعلم. ولكنه ذكر الله فشكره. ورد إليه العمل الصالح الذي وفقه إليه. وتبرأ من قوته إلى قوة الله، وفوض إليه الأمر، وأعلن ما يؤمن به من أن الجبال والحواجز والسدود ستدك قبل يوم القيامة، فتعود الأرض سطحا أجرد مستويا.
( قال : هذا رحمة من ربي، فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء. وكان وعد ربي حقا )..
وبذلك تنتهي هذه الحلقة من سيرة ذي القرنين. النموذج الطيب للحاكم الصالح، يمكنه الله في الأرض، وييسر له الأسباب ؛ فيجتاح الأرض شرقا وغربا ؛ ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر، ولا يطغى ولا يتبطر، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق ؛ ولا يسخر أهلها في أغراضه وأطماعه.. إنما ينشر العدل في كل مكان يحل به، ويساعد المتخلفين، ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل ؛ ويستخدم القوة التي يسرها الله له في التعمير والإصلاح، ودفع العدوان وإحقاق الحق. ثم يرجع كل خير يحققه الله على يديه إلى رحمة الله وفضل الله، ولا ينسى وهو في إبان سطوته قدرة الله وجبروته، وأنه راجع إلى الله.
وبعد فمن يأجوج ومأجوج ؟ وأين هم الآن ؟ وماذا كان من أمرهم وماذا سيكون !
كل هذه أسئلة تصعب الإجابة عليها على وجه التحقيق، فنحن لا نعرف عنهم إلا ما ورد في القرآن، وفي بعض الأثر الصحيح.
والقرآن يذكر في هذا الموضع ما حكاه من قول ذي القرنين :( فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء، وكان وعد ربي حقا ).
وهذا النص لا يحدد زمانا. ووعد الله بمعنى وعده بدك السد ربما يكون قد جاء منذ أن هجم التتار، وانساحوا في الأرض، ودمروا الممالك تدميرا.
وفي موضع آخر في سورة الأنبياء :( حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون. واقترب الوعد الحق... ).
وهذا النص كذلك لا يحدد زمانا معينا لخروج يأجوج ومأجوج فاقتراب الوعد الحق بمعنى اقتراب الساعة قد وقع منذ زمن الرسول [ ص ] فجاء في القرآن :( اقتربت الساعة وانشق القمر ) والزمان في الحساب الإلهي غيره في حساب البشر. فقد تمر بين اقتراب الساعة ووقوعها ملايين السنين أو القرون، يراها البشر طويلة مديدة، وهي عند الله ومضة قصيرة.
وإذن فمن الجائز أن يكون السد قد فتح في الفترة ما بين :( اقتربت الساعة ) ويومنا هذا. وتكون غارات المغول والتتار التي اجتاحت الشرق هي انسياح يأجوج ومأجوج.
وهناك حديث صحيح رواه الإمام أحمد عن سفيان الثوري عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها حبيبة، عن زينب بنت جحش - زوج النبي [ ص ] - قالت : استيقظ الرسول [ ص ] من نومه وهو محمر الوجه وهو يقول :" ويل للعرب من شر قد اقترب. فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا " وحلق [ بإصبعيه السبابة والإبهام ]. قلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال " نعم إذا كثر الخبيث ".
وقد كانت هذه الرؤيا منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنا ونصف قرن. وقد وقعت غارات التتار بعدها، ودمرت ملك العرب بتدمير الخلافة العباسية على يد هولاكو في خلافة المستعصم آخر ملوك العباسيين. وقد يكون هذا تعبير رؤيا الرسول [ ص ] وعلم ذلك عند الله. وكل ما نقوله ترجيح لا يقين.