كلمة خَصْم من الألفاظ التي يستوي فيها المفرد والمثنى
صفحة رقم 9755
والجمع، وكذلك المذكر والمؤنث كما في قوله تعالى وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب [ص: ٢١].
ويقول تعالى: خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ.. [ص: ٢٢].
والمراد بقوله: خَصْمَانِ.. [الحج: ١٩] قوله تعالى: وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب.. [الحج: ١٨] والخصومة تحتاج إلى فَصْل بين المتخاصمين، والفَصْل يحتاج إلى شهود، لكن إنْ جاء الفَصْل من الله تعالى فلن يحتاج إلى شهود وكفى بالله شَهِيداً.. [النساء: ٧٩]
وإنْ جاء عليهم بشهود من أنفسهم، فإنما لإقامة الحجة ولتقريعهم، يقول تعالى: وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.. [فصلت: ٢١].
فإنْ قلتَ: كيف تشهد الجوارح على صاحبها يوم القيامة وهي التي فعلت؟
نقول: هناك فَرْق بين عمل أريده وعمل أؤديه، وأنا أبغضه وضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - بالقائد الذي يأمر جنوده، وعليهم أنْ يُطيعوه حتى إنْ كانت الأوامر خاطئة، فإنْ رجعوا إلى القائد الأعلى حكَوْا له مَا كان من قائدهم؛ ذلك لأن القائد الأعلى جعل له ولاية عليهم، وألزمهم طاعته والائتمار بأمره.
فالخالق - عَزَّ وَجَلَّ - جعل لإرادة الإنسان ولاية على جوارحه، فالفعل - إذن - للإرادة، وما الجوارح إلا أداة للتنفيذ. فحينما تريد مثلاً أنْ تقوم، مجرد أن تريد ذلك تجد نفسك قائماً دون أنْ تفكر في حركة القيام أو العضلات التي تحركتْ لتؤدي هذا العمل، مع أنها
عملية مُعقَّدة تتضافر فيها الإرادة والعقل والأعصاب والأعضاء، وأنت نفسك لا تشعر بشيء من هذا كله، وهل في قيامك أمرتَ الجوارح أنْ تتحرَّك فتحركتْ؟
فإذا كانت جوارحك تنفعل لك وتطاوعك لمجرد الإرادة، أفلا يكون أوْلى من هذا أنْ ينفعل خَلْق الله لإرادة الله؟
إذن: العمدة في الأفعال ليستْ الجوارح وإنما الإرادة، بدليل أن الله تعالى إذا أراد أنْ يُعطِّل جارحة من الجوارح عطّل الإرادة الآمرة، وقطعها عن الجارحة، فإذا هي مشلولة لا حركةَ فيها، فإنْ أراد الإنسان تحريكها بعد ذلك فلن يستطيع، لماذا؟
لأنه لا يعلم الأبعاض التي تُحرِّك هذه الجارحة، ولو سألتَ أعلم الناس في علم الحركة والذين صنعوا الإنسان الآلي: ما الحركة الآلية التي تتم في جسم الإنسان كي يقوم من نومه أو من جِلْسته؟ ولن يستطيع أحد أنْ يصفَ لك ما يتم بداخل الجسم في هذه المسألة.
أما لو نظرتَ مثلاً إلى الحفَّار، وهو يُؤدِّي حركات أشبه بحركات الجسم البشري لوجدتَ صبياً يشغله باستخدام بعض الأزرار، ويستطيع أنْ يصِفَ لك كل حركة فيه، وما الآلات التي تشترك في كل حركة. فَقُلْ لي بالله: ما الزر الذي تضغط عليه لتحرك يدك أو ذراعك؟ ما الزر الذي تُحرِّك به عينيك، أو لسانك، أو قدمك؟ إنها مجرد إرادة منك فينفعل لك ما تريد؛ لأن الله تعالى خلقك، وجعل لإرادتك السيطرة الكاملة على جوارحك، فلا تستبعد أنْ تنفعل المخلوقات لله - عَزَّ وَجَلَّ - إنْ أراد منها أنْ تفعلَ.
حتى العذاب في الآخرة ليس لهذه الجوارح والأبعاض، إنما العذاب للنفس الواعية، بدليل أن الإنسان إذا تعرَّض لألم شديد
لا يستريح منه لا أنْ ينام، فإذا استيقظ عاوده الألم، إذن: فالنفس هي التي تألم وتتعذَّب لا الجوارح.
والحق سبحانه هو الذي يفصل بين هذيْن الخصميْن، كما قال سبحانه في آية أخرى إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة.. [الحج: ١٧].
لذلك يقول الإمام علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وكرَّم الله وجهه: أنا أول مَنْ يجثو بين يدي الله يوم القيامة للفصل ومعي عبيدة بن الحارث وحمزة بن عبد المطلب. هؤلاء في جانب وفي الجانب المقابل: عتبة ابن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
لماذا؟ لأن بين هؤلاء كانت أول معركة في الإسلام، وهذه أول خصومة وقعتْ فيه، ذلك لأنهم في معركة بدر أخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قوماً للمبارزة، وكانت عادتهم في الحروب أنْ يخرج أقوياء القوم وأبطالهم للمبارزة بدل أنْ يُعذِّبوا القوم ويشركوا الجميع في القتال، ويعرِّضوا أرواح الناس جميعاً للخطر.
ومن ذلك ما حدث بين علي ومعاوية - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في موقعة صِفِّين حيث قال علي لمعاوية: ابرز إليَّ يا معاويةُ، فإنْ غلبتني فالأمر لك، وإنْ غلبتُك فاجعل الأمر لي، فقال عمرو بن العاص وكان في صفوف معاوية: والله، يا معاوية لقد أنصفك الرجل، وفي هذا حَقْنٌ لدماء المسلمين في الجانبين.
فنظر معاوية إلى عمرو وقال: والله يا عمرو ما أردْتَ إلا إن أبرز
له فيقتلني، ويكون لك الأمر من بعدي، وما دُمْتَ قد قلتَ ما قلتَ فلا يبارزه غيرك فاخرج إليه.
فقام عمرو لمبارزة علي، لكن أين عمرو من شجاعة علي وقوته؟ وحمل عليٌّ على عمرو حملة قوية، فلما أحسَّ عمرو أن علياً سيضربه ضربة تميته لجأ إلى حيلة، واستعمل دهاءه في صَرْف عليٍّ عنه، فكشف عمرو عن عورته، وهو يعلم تماماً أن علياً يتورع عن النظر إلى العورة، وفعلاً تركه علي وانصرف عنه، ونجا عمرو بحيلته هذه.
وقد عبَّر الشاعر عن هذا الموقف فقال:
| وَلاَخَيْرَ في رَدٍّ الرَّدَى بِدَنيَّةٍ | كَما رَدَّهَا يَوْماً بِسَوْأَتِهِ عَمْرُو |
| أرَاكَ عَصِيَّ الدَّمْعِ شِيمَتُكَ الصَّبْر | أَما لِلْهَوَى نَهْيُ عليْكَ ولاَ أَمْر |
| بَلَى أَنَا مُشْتَاقٌ وعِنْدي لَوْعَةٌ | وَلكِنْ مِثْلي لاَ يُذَاعُ لَهُ سِرُّ |
| وَإنَّا أُنَاسٌ لاَ تَوسُّطَ بَيْنَنَا | لَنَا الصَّدْرُ دُون العَالَمينَ أو القَبْرُ |
وهذا هو اليوم الذي قال الله فيه: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فاتقوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: ١٢٣].
إذن: فبدر كانت فَصْلاً دنيوياً بين هذيْ الخصْمين، ويبقى فَصْل الآخرة الذي قال فيه الإمام علي: «أنا أول مَنْ يجثو بين يدي الله يوم القيامة للفصل».
ومعنى: اختصموا فِي رَبِّهِمْ.. [الحج: ١٩] أي: بسبب اختلافهم في ربهم، ففريقٌ يؤمن بوجود إله، وفريقٌ يُنكره، فريق يُثبت له الصفات، وفريق ينفي عنه هذه الصفات، يعني: انقسموا بين إيمان وكفر. صفحة رقم 9760
ثم يُفصِّل القول: فالذين كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم [الحج: ١٩].
قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ.. [الحج: ١٩] كأن النار تفصيل على قَدْر جسومهم إحكاماً للعذاب، ومبالغةً فيه، فليس فيها اتساع يمكن أنْ يُقلِّل من شِدَّتها، وليست فضفاضة عليهم.
ثم يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم [الحج: ١٩] والحميم: الماء الذي بلغ منتهى الحرارة، حتى صار هو نفسه مُحْرِقاً من شِدَّة حَرّه، ولكَ أنْ تتصور ماءً يَغليه ربنا عَزَّ وَجَلَّ!!
وهكذا يجمع الله عليهم ألوان العذاب؛ لأن الثياب يرتديها الإنسان لتستر عورته، وتقيه الحر والبرد، ففيها شمول لمنفعة الجسم، يقول تعالى: وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [النحل: ١١٢].
فالإذاقة ليستْ في اللباس، إنما بشيء آخر، واللباس يعطي الإحاطة والشمول، لتعم الإذاقة كُلَّ أطراف البدن، وتحكم عليه مبالغةً في العذاب.
تفسير الشعراوي
محمد متولي الشعراوي