الربع الثاني من الحزب الرابع والثلاثين في المصحف الكريم
أعظم ميزة يمتاز بها الوحي الإلهي ومسك ختامه القرآن هو أنه ( فرقان )، فرقان يستعين به المؤمن على التفرقة والتمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال، والسعادة والشقاء، إذ كثيرا ما تختل مقاييس العقل، وتنحرف اتجاهات الفطرة، ولا عاصم لهما من الاختلال والخبال إلا الوحي الإلهي الذي يحميها من الهوى والضلال. فهو المعيار الصادق، لإثبات الحقائق، والطريق المضمون لهداية الخلائق، وها هو كتاب الله يشير في بداية هذا الربع إلى ما يجري عادة في كل جيل من الخصومة والنزاع، والمواجهة والصراع، بين أنصار الحق وأتباع الباطل، إذ من المتعذر أن يقع بين هذين الفريقين ائتلاف والتقاء، ما دام الأولون يعملون جادين لنيل الفوز والسعادة، والآخرون يشقون طريقهم مسرعين نحو الخيبة والشقاء هذان خصمان اختصموا في ربهم ، لا سيما والخصومة بينهم خصومة في الله، لا تنتهي بالصلح والتراضي إلا إذا تحقق رضا الله، وفي التفسير المأثور ان هذه الآية نزلت في المتبارزين يوم بدر، وهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، ومن المشركين : عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ووقع في صحيح البخاري أن هذه الآية نزلت فيهم، وختم مسلم كتابه الصحيح بقصتهم، والقاعدة المتبعة عند العلماء في مثل هذه الآية : " أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب "، وبذلك تصدق الآية على سبب نزولها، كما تصدق على من يندرج تحت مدلولها، فيكون المراد بالفريقين المتخاصمين من جهة أولى : فريق المؤمنين، ومن جهة أخرى : فريق الكافرين من كل ملة أو دين. وبعموم الآية قال مجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن وغيرهم، ويؤكد معنى العموم ما أشار إليه كتاب الله في أواخر الربع الماضي من أن الله تعالى سيفصل يوم القيامة بين أهل الملل المختلفة، وواضح أنه لا يكون الفصل بينهم إلا في الخصومة القائمة بينهم، وذلك قوله تعالى فيما سبق : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة، إن الله على كل شيء شهيد .
وبعدما وضع كتاب الله أمام الأنظار قصة الفريقين المتخاصمين على وجه الإجمال أوضح المصير الذي يؤول إليه كل فريق بعد الفصل بينهما في الدار الآخرة، فقال تعالى في شأن الكافرين الأشقياء : فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديد، كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها، وذوقوا عذاب الحريق ،
و " الحميم " الماء الحار المغلي بنار جهنم، وعن ابن عباس : " لو سقطت من الحميم نقطة على جبال الدنيا لأذابتها "
والتعبير في الآية الأولى " بالثياب من النار " إما أن يحمل على حقيقته، وإما أن يكون استعارة عن إحاطة النار بهم، كما يحيط الثوب بلابسه، ويقابله في الآية الثانية : و " لباسهم فيها حرير.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري