ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى١ :
هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم ( ١٩ ) :
كلمة خصم من الألفاظ التي يستوي فيها المفرد والمثنى والجمع، وكذلك المذكر والمؤنث كما في قوله تعالى وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ( ٢١ ) [ ص ].
ويقول تعالى : خصمان بغى بعضنا على بعض.. ( ٢٢ ) [ ص ] :
والمراد بقوله : خصمان.. ( ١٩ ) [ الحج ] قوله تعالى : وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب.. ( ١٨ ) [ الحج ] : والخصومة تحتاج إلى فصل بين المتخاصمين، والفصل يحتاج إلى شهود، لكن إن جاء الفصل من الله تعالى فلن يحتاج إلى شهود وكفى بالله شهيدا ( ٧٩ ) [ النساء ]
وإن جاء عليهم بشهود من أنفسهم، فإنما لإقامة الحجة ولتقريعهم، يقول تعالى : وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.. ( ٢١ ) [ فصلت ].
فإن قلت كيف تشهد الجوارح على صاحبها يوم القيامة وهي التي فعلت ؟.
نقول : هناك فرق بين عمل أريده وعمل أؤديه، وأنا أبغضه وضربنا لذلك مثلا- ولله المثل الأعلى- بالقائد الذي يأمر جنوده، وعليهم أن يطيعوه حتى إن كانت الأوامر خاطئة، فإن رجعوا إلى القائد الأعلى حكوا له ما كان من قائدهم، ذلك لأن القائد الأعلى جعل له ولاية عليهم، وألزمهم طاعته والائتمار بأمره.
فالخالق- عز وجل- جعل لإرادة الإنسان ولاية على جوارحه، فالفعل- إذن- للإرادة، وما الجوارح إلا أداة للتنفيذ. فحينما تريد مثلا أن تقوم، مجرد أن تريد ذلك تجد نفسك قائما دون أن تفكر في حركة القيام أو العضلات التي تحركت لتؤدي هذا العمل، مع أنها عملية معقدة تتضافر فيها الإرادة والعقل والأعصاب والأعضاء، وأنت نفسك لا تشعر بشيء من هذا كله، وهل في قيامك أمرت الجوارح أن تتحرك فتحركت ؟
فإذا كانت جوارحك تنفعل لك وتطاوعك لمجرد الإرادة، أفلا يكون أولى من هذا أن ينفعل خلق الله لإرادة الله ؟
إذن : العمدة في الأفعال ليست الجوارح وإنما الإرادة، بدليل أن الله تعالى إذا أراد أن يعطل جارحة من الجوارح عطل الإرادة الآمرة، وقطعها عن الجارحة، فإذا هي مشلولة لا حركة فيها، فإن أراد الإنسان تحريكها بعد ذلك فلن يستطيع، لماذا ؟
لأنه لا يعلم الأبعاض التي تحرك هذه الجارحة، ولو سألت أعلم الناس في علم الحركة والذين صنعوا الإنسان الآلي : ما الحركة الآلية التي تتم في جسم الإنسان كي يقوم من نومه أو من جلسته ؟ ولن يستطيع أحد أن يصف لك ما يتم بداخل الجسم في هذه المسألة.
أما لو نظرت مثلا إلى الحفار، وهو يؤدي حركات أشبه بحركات الجسم البشري لوجدت صبيا يشغله باستخدام بعض الأزرار، ويستطيع أن يصف لك كل حركة فيه، وما الآلات التي تشترك في كل حركة. فقل لي بالله : ما الزر الذي تضغط عليه لتحرك يدك أو ذراعك ؟ ما الزر الذي تحرك به عينيك، أو لسانك، أو قدمك ؟ إنها مجرد إرادة منك فينفعل لك ما تريد، لأن الله تعالى خلقك، وجعل لإرادتك السيطرة الكاملة على جوارحك، فلا تستبعد أن تنفعل المخلوقات لله- عز وجل- إن أراد منها أن تفعل.
حتى العذاب في الآخرة ليس لهذه الجوارح والأبعاض، إنما العذاب للنفس الواعية، بدليل أن الإنسان إذا تعرض لألم شديد لا يستريح منه إلا أن ينام، فإذا استيقظ عاوده الألم، إذن : فالنفس هي التي تتألم وتتعذب لا الجوارح.
والحق سبحانه هو الذي يفصل بين هذين الخصمين، كما قال سبحانه في آية أخرى إن الله يفصل بينهم يوم القيامة.. ( ١٧ ) [ الحج ].
لذلك يقول الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه٢ : أنا أول من يجثو بين يدي الله يوم القيامة للفصل ومعي عبيدة بن الحارث وحمزة بن عبد المطلب. هؤلاء في جانب وفي الجانب المقابل : عتبة ابن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.
لماذا ؟ لأن بين هؤلاء كانت أول معركة في الإسلام، وهذه أول خصومة وقعت فيه، ذلك لأنهم في معركة بدر أخرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قوما للمبارزة، وكانت عادتهم في الحروب أن يخرج أقوياء القوم وأبطالهم للمبارزة بدل أن يعذبوا القوم ويشركوا الجميع في القتال، ويعرضوا أرواح الناس جميعا للخطر.
ومن ذلك ما حدث بين علي ومعاوية- رضي الله عنهما- في موقعة صفين حيث قال علي لمعاوية : ابرز إلي يا معاوية، فإن غلبتني فالأمر لك، وإن غلبتك فاجعل الأمر لي، فقال عمرو بن العاص وكان في صفوف معاوية : والله، يا معاوية لقد أنصفك الرجل، وفي هذا حقن لدماء المسلمين في الجانبين.
فنظر معاوية إلى عمرو وقال : والله يا عمرو ما أردت إلا أن أبرز له فيقتلني، ويكون لك الأمر من بعدي، وما دمت قد قلت ما قلت فلا يبارزه غيرك فاخرج إليه.
فقام عمرو لمبارزة علي، لكن أين عمرو من شجاعة علي وقوته ؟ وحمل علي على عمرو حملة قوية، فلما أحس عمرو أن عليا سيضربه ضربة تميته لجأ إلى حيلة، واستعمل دهاءه في صرف علي عنه، فكشف عمرو عن عورته، وهو يعلم تماما أن عليا يتورع عن النظر إلى العورة، وفعلا تركه علي وانصرف عنه، ونجا عمرو بحيلته هذه٣.
وقد عبر الشاعر عن هذا الموقف فقال :
ولا خير في رد الردى بدنية*** كما ردها يوما بسوأته عمرو
ويقول الشريف٤ الرضي- وهو من آل البيت- في القصيدة التي مطلعها :
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر*** أما للهوى أمر عليك ولا نهي
بلى أنا مشتاق وعندي لوعة*** ولكن مثلي لا يذاع له سر
وفيها يقول :
وإنا أناس لا توسط بيننا لنا ***الصدر دون العالمين أو القبر
نعود إلى بدر، حيث اعترض الكفار حينما أخرج لهم رسول الله بعض رجال الأنصار فقالوا : هؤلاء نكرات من الأنصار، نريد أن تخرج لنا أكفاءنا من رجال قريش، فأخرج لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) عليا وحمزة وعبيد بن الحارث بن عبد المطلب، وأخرجوا هم عتبة وشيبة والوليد، وكان ما كان من نصرة المسلمين وهزيمة المشركين٥.
وهذا هو اليوم الذي قال الله فيه : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ( ١٢٣ ) [ آل عمران ].
إذن : فبدر كانت فصلا دنيويا بين هذين الخصمين، ويبقى فصل الآخرة الذي قال فيه الإمام علي : " أنا أول من يجثو بين يدي الله يوم القيامة للفصل ".
ومعنى : اختصموا في ربهم.. ( ١٩ ) [ الحج ] : أي : بسبب اختلافهم في ربهم، ففريق يؤمن بوجود إله، وفريق ينكره، فريق يثبت له الصفات، وفريق ينفي عنه هذه الصفات، يعني : انقسموا بين إيمان وكفر.
ثم يفصل القول : فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم ( ١٩ ) [ الحج ] :
قطعت لهم ثياب من نار.. ( ١٩ ) [ الحج ] كأن النار تفصيل على قدر جسومهم إحكاما للعذاب، ومبالغة فيه، فليس فيها اتساع يمكن أن يقلل من شدتها، وليست فضفاضة عليهم.
ثم يصب من فوق رؤوسهم الحميم ( ١٩ ) [ الحج ] : والحميم : الماء الذي بلغ منتهى الحرارة، حتى صار هو نفسه محرقا من شدة حره، ولك أن تتصور ماء يغليه ربنا عز وجل.
وهكذا يجمع الله عليهم ألوان العذاب، لأن الثياب يرتديها الإنسان لتستر عورته، وتقيه الحر والبرد، ففيها شمول لمنفعة الجسم، يقول تعالى : وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ( ١١٢ ) [ النحل ].
فالإذاقة ليست في اللباس، إنما بشيء آخر، واللباس يعطي الإحاطة والشمول، لتعم الإذاقة كل أطراف البدن، وتحكم عليه مبالغة في العذاب.

١ - سبب نزول الآية: عن أبي ذر –رضي الله عنه- أنه كان يقسم قسما إن هذه الآيةهذان خصمان اختصموا في ربهم... (الحج١٩) نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين تبارزوا يوم بدر وهم: حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث، وعلي بن أبي طالب، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة. قال علي رضي الله عنه: أنا أول من يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة. وأرده الواحدي في أسباب النزول (ص ١٧٦) والدر المنثور للسيوطي (٦/١٨) عزاه البخاري ومسلم وغيرهما..
٢ - أخرجه البخاري في صحيحه (٣٧٣٣) قال :"أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة" قال قيس بن عباد : وفيهم نزلت هذان خصمان اختصموا في ربهم... (الحج١٩) قال : هم الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة..
٣ - ذكره ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" (٤/٢٧٤) أن عليا رضي الله عنه نادى: ويحك يا معاوية، أبرز إلي ولا تفي بيني وبينك، فقال له عمرو بن العاص: اغتنمه فإنه قد أثخن بقتل هؤلاء الأربعة، فقال له معاوية: والله لقد علمت أن عليا لم يقهر قط، وإنما أردت قتلي لتصيب الخلافة من بعدي، اذهب إليه، فليس مثلي يخدع، وذكروا أن عليا حمل على عمرو بن العاص يوما فضربه بالرمح فألقاه إلى الأرض فبدت سوءته فرجع عنه فقال له أصحابه: مالك يا أمير المؤمنين رجعت عنه؟ فقال : أتدرون ما هو؟ قالوا: لا قال : هذا عمرو بن العاص تلقاني بسوءته فذكرني بالرحم فرجعت عنه، فلما رجع عمرو إلى معاوية قال له: أحمد الله وأحمد إستك..
٤ - هو : محمد بن الحسين أبو الحسن الرضي العلوي الحسيني، أشعر الطالبين، مولده ٣٥٩هـ ووفاته (٣٠٦) في بغداد، وانتهت إليه نقابة الأشراف في حياة والده، له "المجازات النبوية" "مجاز القرآن" "خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب" (الأعلام للزركلي ٦/٩٩).
٥ - ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (٢/٦٢٥) أن عتبة بن ربيعة خرج بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا فصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة وهم: عوف، ومعوذ، ابنا الحارث –وأمهما عفراء- ورجل آخر يقال : هو عبد الله بن رواحة- فقالوا: من أنتم؟ قالوا رهط من الأنصار، قالوا ما لنا بكم من حاجة. ثم نادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا عبيدة بن الحارث وقم يا حمزة وقم يا علي. فلما قاموا ودنوا منهم قالوا من أنتم؟ قالوا نعم أكفاء كرام. فبارز عبيدة وكان أسن القوم. عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة وبارز علي الوليد بن عتبة. .

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير