( هذان خصمان( فوجان متخاصمان، يعني المؤمنون خصم الكافرون من الأنواع الخمسة خصم وهو يطلق على الواحد والجماعة ( اختصموا( أو رد صيغة الجمع حملا على المعنى ( في ربهم( أي في دينه أو في ذاته وصفاته وأمره، روي الشيخان في الصحيحين عن أبي ذر قال : نزلت قوله تعالى :( هذان خصمان اختصموا في ربهم( في حمزة وعبيدة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة " ١ وأخرج البخاري والحاكم عن علي قال : فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم بدر، وأخرج الحاكم عنه بوجه آخر قال نزلت في الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، وروى البغوي عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب قال : أنا أول من بحثوا بين يدي الرحمة للخصومة يوم القيامة، قال قيس وفيهم نزلت هذه الآية، وقال قيس هم الذين بارزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، قال محمد بن إسحاق خرج يعني يوم بدر عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة حتى إذا وصلوا إلى الصف دعوا إلى المبارزة فخرج إليهم فتية من الأنصار ثلاثة عوف ومعاذ ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء وعبد الله بن رواحة فقالوا من أنتم فقالوا : رهط من الأنصار حين انتسبوا أكفاء كرام، ثم نادى مناديهم يا محمد أخرج إلينا أكفائنا من قومنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قم يا عبيدة بن الحارث ويا حمزة بن عبد المطلب ويا علي بن أبي طالب " فلما دنوا قال : من أنتم ؟ فذكروا قالوا : نعم أكفاء كرام فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة وبارز حمزة شيبة وبارز على الوليد بن عتبة، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة وعلي الوليد واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتان كلاهما أثبت صاحبه فكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فدفعا عليه واحتملا عبيدة إلى أصحابه وقد قطعت رجله ومنها ليسيل فلما أتوا بعبيدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألست شهيدا ؟ قال : بلى، فقال عبيدة لو كان أبو طالب حيا لعلم أنا أحق بما قاله منه حيث يقول :
كذبتم وبيت الله يبرئ محمدا ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله نذهل عن أبنائنا والحلائل
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة إن الآية نزلت في المسلمين وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب نحن أولى بالله منكم وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم وقال المؤمنون تحت أحق بالله آمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونبيكم وبما أنزل الله من كتاب وانتم تعرفون نبينا وكتابنا وكفرتم به حسدا فهذا خصومتهم في ربهم، وقال مجاهد وعطاء بن رباح الكلبي هم المؤمنون والكافرون من أي لمة كانوا قالوا بعضهم جعل الأديان سنة في قوله تعالى :( إن الذين ءامنوا والذين هادوا( الآية فجعل خمسة للنار وواحد للجنة فقوله هذا خصمان ينصرف إليهم فالمؤمنون خصم وسائر الخمسة خصم لأن الكفر ملة واحدة ومبنى هذين القولين عموم اللفظ وسياق القصة ولا شك أن العبرة لعموم اللفظ دون خصوص السبب وقال عكرمة هما الجنة والنار اختصما روى الشيخان في الصحيني عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكيرين والمتبخرين وقالت الجنة فما لي لا يدخلني إلا الضعفاء الناس وسقطهم وعرتهم قال الله تعالى للجنة إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء ولكل واحد منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله تقول قط قط قط فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحدا وأما الجنة فإن الله تعالى ينشأ لها خلقا " ٢ ( فالذين كفروا( فصل لخصومتهم وهو المعنى لقوله تعالى : إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ( قطعت لهم ثياب من نار( أي قدرت لهم على مقادير حيثيتهم قال سعيد بن جبير ثياب من نحاس مذاب وليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حرا منه وتسمى باسم الثياب لأنها تحيط بأبدانهم كإحاطة الثياب وقال بعضهم يلبس أهل النار مقطعات من النار، روى أحمد بسند حسن عن جويرة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لبس الحرير في الدنيا ألبسه الله يوم القيامة ثوبا من نار " ٣ وأخرج والبزار وابن أبي حاتم والبيهقي بسند صحيح عن انس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من بعده وذريته من بعده وهو ينادي يا ثبوراه وهم ينادون يا ثبوراه حتى يقفوا على النار فيقال لهم لا تدعوا ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا " وأخرج أبو نعيم عن وهب بن منبه قال : كسي أهل النار والعري كان خبرا لهم وأعطوه الحياة والموت كان خيرا لهم، وأخرج عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب " رواه ابن ماجة بلفظ " إن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع لها ثيابا من قرطان ودرعا من لهب النار " ٤ ( يصب من فوق رءوسهم الحميم( حال من الضمير في لهم أو خبر ثان والحميم الماء الحار الذي انتهى حرارته
٢ أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب قوله تعالى: وتقول هل من مريد (٤٨٥٠) وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٢٨٤٦)..
٣ رواه أحمد والطبراني وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف وقد وثق، انظر مجمع الزوائد في كتاب: اللباس باب: ما جاء في الحرير والذهب (٨٦٤٤)..
٤ أخرجه ابن ماجة في كتاب: الجنائز، باب: في النهي عن النياحة (١٥٨١) وإسناده صحيح..
التفسير المظهري
المظهري