والمجوس عباد النار القائلون بوجود إله للخير وآخر للشر، وللعالم أصلان هما النور والظلام.
هؤلاء جميعا يفصل الله بينهم بحكمه العدل، ويقضى يوم القيامة، فلا فضل لأمة على أمة، ولا لعنصر على عنصر ولا غرابة في ذلك إن الله على كل شيء قدير، وفي الكون شهيد ورقيب.
ألم تعلم أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض، والشمس والقمر، والنجوم والجبال، والشجر والدواب؟!!، وكيف لا تعلم والله أخبر به، وخبره الصدق. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والسجود لله مطلق الانقياد لما أمر، إذ الكل خاضع لأمره وتصريفه إذا قال للشيء كن فيكون.
وكثير من الناس يسجد سجود طاعة وعبادة فوق السجود العام الشامل له ولغيره.
وكثير حق عليه العذاب لأنه أساء العمل في دنياه، وفسق عن أمر مولاه.
ومن يهنه الله بأن يكتب عليه الشقاوة لما سبق عليه من كفره وفسقه وعصيانه- وقد كتب عليه ذلك لأنه يستحق كما قدمناه، ولموافقته لما يعلمه الله من ميله إلى الشر- فما له مكرم أبدا، ومن يكرم من أهانه الله؟!! إن الله نافذ أمره لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. له الملك وله الحمد. وهو على كل شيء قدير:
الكافرون والمؤمنون وجزاء كل [سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٩ الى ٢٤]
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣)
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤)
المفردات:
خَصْمانِ فريقان متنازعان الْحَمِيمُ الماء البالغ النهاية في الحرارة يُصْهَرُ الصهر: الإذابة مَقامِعُ جمع: مقمعة، وهي: قطعة من الحديد اتخذت آلة للقمع سميت مقمعة لأنها تقمع المضروب أى: تذله الْحَرِيقِ أى:
العذاب المحرق مِنْ أَساوِرَ جمع أسورة التي هي جمع سوار فالأساور جمع الجمع، وهي حلية تلبسها النساء الآن في معاصمها وَلُؤْلُؤاً هو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف وَهُدُوا أى: ارشدوا.
المعنى:
هذان فريقان من الناس يتميز كل منهما عن الآخر، وقد اختصموا في شأن ربهم الذي خلقهم، فريق منهم في الجنة، وفريق في السعير، فريق كفر بالله وبرسوله، ولم يكن عنده استعداد للإيمان بالغيب والحياة الأخروية، وفريق آمن بالله وبرسله وآمن بالغيب والحياة الآخرة.
أما الفريق الأول: فهم الذين كفروا، وكان جزاؤهم أنه قطعت لهم ثياب من نار أى: سويت وجعلت لهم لباسا، تراه قد شبه النار بالثياب لأنها مشتملة عليهم كاشتمال الثياب، وقيل إنها ثياب من نحاس مذاب من شدة الحرارة فصار كالنار، وهذه هي السرابيل التي ذكرت في قوله تعالى: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ «١»
من سورة إبراهيم. وهؤلاء يصب من فوق رؤوسهم الحميم، وهو ماء شديد الحرارة مغلى بنار جهنم، ويا ويلهم من هذا العذاب!! يذاب بذلك الماء الحار ويصهر به ما في بطونهم من الأمعاء، وتحرق به جلودهم ولهؤلاء مقامع من حديد يضربون به على رؤوسهم لقمعهم وذلهم، كلما أردوا أن يخرجوا من النار بسبب غمهم بها، أعيدوا فيها بشدة حتى يأخذوا عذابهم كاملا غير منقوص، ويقال لهم: ذوقوا العذاب المحرق فأنتم أهل له.
أما الفريق الثاني: فهم الذين آمنوا بالله ورسله وعملوا الصالحات، فسيدخلهم ربهم جنات تجرى من تحت أشجارها الأنهار العذبة، منها يشربون، وبها يتمتعون، ويحلون في الجنة أساور من ذهب خالص. ولؤلؤا، ولباسهم فيها حرير.
وعلى ما أعتقد هذا تقريب وتمثيل لنفهم متاع الآخرة المادي وإلا ففي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ورضوان من الله أكبر من ذلك كله لأنه النعيم الروحي الخالص.
هؤلاء لا غرابة في جزائهم هذا فهم قد هدوا إلى القول الطيب والعمل الصالح وهدوا إلى صراط العزيز الحميد ودينه القويم وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
اللهم وفقنا إلى هذا، واحشرنا مع هؤلاء، واهدنا الصراط المستقيم آمين.
روى مسلم عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما إن هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ إنها نزلت في الذين برذوا يوم بدر: حمزة، وعلى، وعبيدة ابن الحارث- رضي الله عنهم-. وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة. والوليد بن عتبة. وبهذا الحديث ختم مسلم- رحمه الله كتابه، وروى هذا الحديث عن ابن عباس مع التنصيص على أن هذه الآية نزلت على النبي صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة.
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي