ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

ثم بين الفضل، الذي يفصل به يوم القيامة بين المؤمنين والكفرة بفرقها الخمس، فقال :
هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَآ أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُواْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُواْ إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ
قلت : خصمان : صفة لمحذوف، أي : فريقان خصمان، والمراد : فريق المؤمنين، وفريق الكفرة بأقسامه الخمسة. وقيل : اسم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، والمراد هنا : الجماعة، بدليل قوله : اختصموا ؛ بالجمع.
يقول الحقّ جلّ جلاله : هذان خصمان أي : مختصمان اختصموا أي : فريق المؤمنين والكافرين. وقال ابن عباس رضي الله عنه :( راجع إلى أهل الأديان المذكورة ) ؛ فالمؤمنون خَصْمٌ، وسائرُ الخمسة خصمٌ، تخاصموا في ربهم أي : في شأنه تعالى، أو في دينه، أو في ذاته وصفاته. والكل من شؤونه تعالى، فكل فريق يصحح اعتقاده. ويُبطل اعتقاد خصمه. وقيل : تخاصمت اليهود والمؤمنون ؛ فقالت اليهودُ : نحن أحق بالله وأقدمُ منكم كتابًا، ونبيُّنا قبل نبيِّكم. وقال المؤمنون : نحن أحقُّ بالله منكم، آمنا بنبينا ونبيكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم كفرتم به ؛ حسدًا١. وكان أبو ذر يُقسِمُ أنها نزلَتْ في ستة نفر من قريش، تبارَزوا يوم بَدر ؛ حمزةُ وعليٌّ، وعبيدة بن الحارث، مع عتبة، وشيبة ابني ربيعةَ، والوليدُ. وقال عليّ رضي الله عنه : إني لأوَّلُ من يجثو بين يدَيِ الله يوم القيامة ؛ للخُصومة. ه.
ثم بيَّن الفصل بينهم، المذكور في قوله : إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ، فقال : فالذين كفروا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، قُطِّعَت لهم ثيابٌ من نار أي : فصّلت وقُدرت على مقادير جثثهم، تشتمل عليهم، كما تقطع الثياب للبوس. وعبَّر بالماضي ؛ لتحقق وقوعه. يُصَبُّ من فوق رؤوسهم الحميمُ أي : الماء الحار. عن ابن عباس رضي الله عنه :" لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها ".
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد اختصم أهل الظاهر مع أهل الباطن في شأن الربوبية، فقال أهل الظاهر : الحق تعالى لا يُرى في دار الدنيا، ولا تُمكن معرفته، إلا من جهة الدليل والبرهان، على طريق الإيمان بالغيب. وقال أهل الباطن من أكابر الصوفية : الحق تعالى يُرى في هذه الدار، كما يرى في تلك الدار، من طريق العرفان، على نعت الشهود والعيان، لكن ذلك بعد موت النفوس وحط الرؤوس لأهل التربية النبوية، فلا يزال يحاذيه ويسير به، حتى يقول : ها أنت وربك، فحينئذ تشرق عليه شموسُ العرفان، فتُغطى عنه وجود حس الأكوان، فلا يرى حينئذ إلا المكون، حتى لو كُلف أن يرى غيره لم يستطع ؛ إذ لا غير معه حتى يشهده.
وقال بعضهم :( مُحال أن تشهده، وتشهد معه سواه ). وفي مناجاة الحكم العطائية :" إلهي، كيف يُسْتَدَلُّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك ؟ متى غِبْتَ، حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ؟ ! ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ ! ". وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه :( أهل الدليل والبرهان عموم عند أهل الشهود والعيان ). وهذه الطريق هي طريق التربية، لا تنقطع أبدًا، فمن كفر بها وجحدها قُطعت له ثياب من نار القطيعة، فيبقى مسجونًا بسرادقات محيطاته، محصورًا في هيكل ذاته، لا يَرى إلا ظلمة الأكوان، يُصب من فوق رأسه، إلى قلبه، حَرُّ التدبير والاختيار، وكلما أراد أن يخرج من سجن الأكوان وغم الحجاب ردته حَيْرَةُ الدَّهَشِ، وهيبة الكبرياء والعظمة والإجلال ؛ لأن فكرته مسجونة تحت أطباق الكائنات، مقيدة بعلائق العوائد والشواغل والشهوات. ويقال له : ذق عذاب الحريق، وهو حِرْمانك من شهود التحقيق.
إن الله يدخل الذين آمنوا بطريق الخصوص، جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، يُحلون فيها بأنواع المحاسن والفضائل، ويتطهرون من جميع المساوئ والرذائل، وهُدوا إلى الطيب من القول، وهو الذكر الدائم بالقلب الهائم، والمخاطبة اللينة من القلوب الصافية، وهُدوا إلى طريق التربية والترقية، حتى وصلوا إلى شهود الحبيب، الحامد المحمود، القريب المجيب. حققنا الله بمقامهم بمنِّه وكرمه.



١ أخرجه الطبري في تفسيره ١٧/١٣٢..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير