ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯ

هذان خَصْمَانِ الخصمان أحدهما أنجس الفرق : اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا، والخصم الآخر : المسلمون، فهما فريقان مختصمان. قاله الفراء وغيره. وقيل : المراد بالخصمين الجنة والنار. قالت الجنة : خلقني لرحمته، وقالت النار : خلقني لعقوبته. وقيل : المراد بالخصمين : هم الذين برزوا يوم بدر، فمن المؤمنين حمزة وعليّ وعبيدة، ومن الكافرين : عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. وقد كان أبو ذرّ رضي الله عنه يقسم أن هذه الآية نزلت في هؤلاء المتبارزين كما ثبت عنه في الصحيح، وقال بمثل هذا جماعة من الصحابة، وهم أعرف من غيرهم بأسباب النزول. وقد ثبت في الصحيح أيضاً عن عليّ أنه قال : فينا نزلت هذه الآية. وقرأ ابن كثير «هذان » بتشديد النون، وقال سبحانه : اختصموا ولم يقل : اختصما. قال الفراء : لأنهم جمع، ولو قال اختصما لجاز، ومعنى فِي رَبّهِمْ في شأن ربهم، أي في دينه، أو في ذاته، أو في صفاته، أو في شريعته لعباده، أو في جميع ذلك. ثم فصل سبحانه ما أجمله في قوله : يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ فقال : فالذين كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ من نَارِ قال الأزهري : أي سوّيت وجعلت لبوساً لهم، شبهت النار بالثياب ؛ لأنها مشتملة عليهم كاشتمال الثياب، وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيهاً على تحقق وقوعه. وقيل : إن هذه الثياب من نحاس قد أذيب فصار كالنار، وهي السرابيل المذكورة في آية أخرى. وقيل : المعنى في الآية : أحاطت النار بهم. وقرئ :«قُطّعَتْ » بالتخفيف، ثم قال سبحانه : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم والحميم هو : الماء الحار المغلي بنار جهنم، والجملة مستأنفة أو هي خبر ثانٍ للموصول.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : والصابئين قال : هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون القبلة، ويقرؤون الزبور والمجوس عبدة الشمس والقمر والنيران، والذين أَشْرَكُوا عبدة الأوثان إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ قال : الأديان ستة ؛ فخمسة للشيطان، ودين الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال : فصل قضاءه بينهم فجعل الخمسة مشتركة وجعل هذه الأمة واحدة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : الذين هادوا : اليهود، والصابئون : ليس لهم كتاب، والمجوس : أصحاب الأصنام، والمشركون : نصارى العرب. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذرّ أنه كان يقسم قسماً أن هذه الآية : هذان خَصْمَانِ الآية نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين بارزوا يوم بدر، وهم : حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وعليّ بن أبي طالب، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، قال عليّ : وأنا أوّل من يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة. وأخرجه البخاري وغيره من حديث عليّ. وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس بنحوه، وهكذا روي عن جماعة من التابعين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله : قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ من نَارِ قال : من نحاس، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشدّ حرّاً منه، وفي قوله : يُصَبُ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم قال : النحاس يذاب على رؤوسهم، وقوله : يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ قال : تسيل أمعاؤهم والجلود قال : تتناثر جلودهم. وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وصححه، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه عن أبي هريرة ؛ أنه تلا هذه الآية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان ). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ قال : يمشون وأمعاءهم تتساقط وجلودهم. وفي قوله : وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ قال : يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله فيدعون بالويل والثبور. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون. وأخرج أحمد، وأبو يعلى وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع الثقلان ما أقلوه من الأرض، ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان ). وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن سلمان قال : النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ : كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُوا فِيهَا . وفي الصحيحين وغيرهما عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ). وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَهُدُوا إِلَى الطيب مِنَ القول قال : ألهموا. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : هدوا إلى الطيب من القول في الخصومة إذ قالوا : الله مولانا ولا مولى لكم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن إسماعيل بن أبي خالد في الآية قال : القرآن وَهُدُوا إلى صراط الحميد قال : الإسلام. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال : الإسلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله الذي قال : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب [ فاطر : ١٠ ].


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية