٣٤٦- قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : قال الله عز وجل : وَالذِينَ يَبْتَغُونَ اَلْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتَ اَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمُ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اِللَّهِ اِلذِى ءَاتاكُمْ أخبرنا عبد الله بن الحارث بن عبد الملك بن جريج أنه قال لعطاء : ما الخيرُ ؟ المال أو الصلاح أو كل ذلك ؟ قال : ما نراه إلا المال. قلت : فإن لم يكن عنده مال وكان رجل صدق ؟ قال : ما أحسب خيرا إلا ذلك المال١. قال مجاهد : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا : المال كائنة أخلاقهم وأديانهم ما كانت٢.
قال الشافعي : والخير كلمة يعرف ما أريد منها بالمخاطبة بها، قال الله عز وجل : إِنَّ اَلذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ أُوْلَئِاكَ هُمْ خَيْرُ اَلْبَرِيئَةِ ٣ فعقلنا أنهم خير البرية بالإيمان، وعمل الصالحات لا بالمال. وقال الله عز وجل :{ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اِللَّهِ لَكُمْ فِيهَا
خَيْرٌ }٤ فعقلنا أن الخير المنفعة بالأجر، لا أن لهم في البدن مالا. وقال الله عز وجل : إَذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٥ فعقلنا أنه إن ترك مالا، لأن المال المتروك، وبقوله : اِلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ ٦.
فلما قال الله عز وجل : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ٧ كان أظهر معانيها بدلالة ما استدللنا به من الكتاب : قوة على اكتساب المال وأمانة، لأنه قد يكون قويا فيكسب فلا يؤدي إذا لم يكن ذا أمانة، وأمينا فلا يكون قويا على الكسب فلا فيؤدي.
قال : ولا يجوز عندي ـ والله تعالى أعلم ـ في قوله : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ٨ إلا هذا وليس الظاهر أن القول : إن علمت في عبدك مالا بمعنيين : أحدهما، أن المال لا يكون فيه، إنما يكون عنده لا فيه، ولكن يكون فيه الاكتساب الذي يفيد المال. والثاني : أن المال الذي في يده لسيده، فكيف يكون أن يكاتبه بماله ؟ إنما يكاتبه بما يفيد العبد بعد الكتابة، لأنه حينئذ يمنع ما أفاد العبد لأداء الكتابة.
قال : ولعل من ذهب إلى أن الخير المال أنه أفاد بكسبه مالا للسيد، فيستدل على أنه كم يقدر مالا يعتق به كما أفاد أولاً.
والعبد والأمة البالغان في هذا سواء، كانا ذوي صنعة، أو غير ذوي صنعة، إذا كانا فيهما قوة على الاكتساب والأمانة. ( الأم : ٨/٣١. ون الأم : ٨/٣٢. ون أحكام الشافعي : ٢/١٦٧-١٧٠. ومختصر المزني ص : ٣٢٣. )
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
٣٤٧- قال الشافعي : قال الله عز وجل : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى اَلْبِغَاء انَ اَرَدْنَ تَحَصُّناً ٩ الآية، فزعم بعض أهل العلم بالتفسير : أنها نزلت في رجل قد سماه، له إماء يكرههن على الزنا١٠ ليأتينه بالأولاد فيتخولهن١١.
وقد قيل : نزلت قبل حد الزنا والله أعلم. فإن كانت نزلت قبل حد الزنا ثم جاء حد الزنا فما قبل المحدود منسوخ بالحدود، وهذا موضوع في كتاب الحدود. وإن كانت نزلت بعد حد الزنا فقد قيل : إن قول الله عز وجل : فَإِنَّ اَللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ١٢ نزلت في الإماء المكرهات أنه مغفور لهن بما أكرهن عليه، وقيل : غفور أي : هو أغفر وأرحم من أن يؤاخذهن بما أكرهن عليه، وفي هذا كالدلالة على إبطال الحد عنهن إذا أكرهن على الزنا، وقد أبطل الله تعالى عمن أكره على الكفرِ الكُفْرَ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما وضع الله عن أمته :« . . . وما استكرهوا عليه »١٣. ( الأم : ٥/١٧٤. )
٢ - رواه البيهقي في نفس الكتاب والباب.
ورواه ابن جرير في التفسير: ٩/٣١٤..
٣ - البينة: ٧..
٤ - الحج: ٣٦..
٥ - البقرة: ١٨٠..
٦ - البقرة: ١٨٠..
٧ - النور: ٣٣..
٨ - النور: ٣٣..
٩ - النور: ٣٣..
١٠ - أخرج مسلم في التفسير (٥٤) باب: في قول الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى اَلْبِغَاء (٣)(ر٣٠٢٩) عن جابر قال: كان عبد الله بن أبي بن سلول يقول لجارية له: اذهبي فابْغينا شيئا. فأنزل الله عز وجل: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى اَلْبِغَاء انَ اَرَدْنَ تَحَصُّنا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ اَلْحَيَواةِ اِلدُّنْيا وَمَنْ يُّكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اَللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . وأخرج من هذا الطريق عن جابر: أن جارية لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها مُسَيْكَة، وأخرى يقال لها: أُمَيْمَةَ. فكان يكرههما على الزنى؛ فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى اَلْبِغَاء إلى قوله: غَفُورٌ رَّحِيمٌ . ن كذلك لباب النقول ص: ٢٢٦.
وأخرجه أبو داود في الطلاق (٧) باب: في تعظيم الزنا (٥٠)(ر٢٣١١). وابن جرير ٩/٣١٨..
١١ - يتخولهن من التَّخَوُّل: التَّعَهُّدُ. وتخول الرّجُلَ: تعهَّدَهُ. وفي الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة أي يتعهدنا بها مخافة السَّآمة علينا. اللسان: خول..
١٢ - النور: ٣٣..
١٣ -وروى ابن ماجة في الطلاق (١٠) باب: طلاق المكره والناسي (١٦)(ر٢٠٤٣) عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله تجاوز عن أمتي الخطا والنسيان وما استكرهوا عليه».
ورواه الهندي في كنز العمال (ر١٠٣٠٧) بلفظ: « رفع عن أمتي الخطا والنسيان وما استكرهوا عليه »..
تفسير الشافعي
الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي