أما الذين تعذر عليهم الزواج، ممن لم يجد وسيلة للحصول على المهر والنفقة بالمرة، أو وجد اليسير من الصداق والنفقة، لكن لم يجد الزوجة التي تقبل ذلك، أو عاقه عن الزواج عذر آخر من الأعذار القاهرة، فقد دعاهم كتاب الله إلى ملازمة العفة والصبر عن الشهوة، في انتظار توافر الشروط وزوال الموانع، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله . قال جار الله الزمخشري مبينا بلاغة القرآن في هذا السياق : " وما أحسن ما رتب هذه الأوامر، حيث أمر بما يعصم من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية، وهو غض البصر، ثم النكاح الذي يحصن به الدين، ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها ( أي صرفها ) عن الطموح إلى الشهوة، عند العجز عن النكاح، إلى أن يرزق القدرة عليه ".
وعاد كتاب الله إلى الاهتمام بمشاكل " ملك اليمين "، فحض على إحدى الوسائل العملية لتحرير الرقاب، ألا وهي الاتفاق مع المملوك ملك يمين على قدر مقسط من المال يؤديه لمولاه، تعويضا عن الحق الذي له عليه، وهذا الاتفاق هو الذي يطلق عليه اسم " المكاتبة " في هذا الموضوع. ودعا كتاب الله الموسرين من المسلمين، من الموالي وغيرهم، إلى مساعدة المكاتبين على تحرير أنفسهم ببذل العون لهم على التحرر، من مال الله الذي آتاهم، علاوة على ما هو مخصص في بيت المال لتحرير الرقاب من موارد الزكاة في الإسلام، وبذلك يتمكن المكاتب من أن يشتغل ويكتسب ويتحرر ويتزوج إذا شاء، فيكون ذلك أعف له وأكرم، وهذا المعنى هو الذي يتضمنه قوله تعالى : والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا أي أمانة وصلاحا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم .
ثم تصدى كتاب الله للقضاء على ما كان معروفا في بعض أوساط الجاهلية من تسخير الإماء لممارسة البغاء، من أجل ما يدره على مالكي رقابهن، فحرم كتاب الله ذلك تحريما باتا، لأن البغاء حرام في الإسلام في جميع الأحوال، وإلى ذلك يشير قوله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ، فالمراد " بالفتيات " هنا الإماء، على حد قوله عليه السلام :( ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل عبدي وأمتي ) وإنما قيل " إن أردن تحصنا " تصويرا لحالة الإكراه، حيث إن إكراههن على البغاء لا يتصور إلا عند إرادتهن للتحصن، وليس معنى ذلك إباحة البغاء عند الرغبة فيه وعدم الإكراه عليه، وقوله تعالى : لتبتغوا عرض الحياة الدنيا إشارة إلى الدافع الخسيس الذي كان يدفع بعض مالكي الإماء في الجاهلية إلى استغلالهن في ممارسة البغاء، وقد كان رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول على رأس الذين يتاجرون في عرض إمائه، فوقف الإسلام له ولأمثاله بالمرصاد، وقضى على ما كان سائدا في عهد الجاهلية من الانحراف والفساد. ثم قال تعالى في نفس السياق : ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم أي غفور لهن ما أكرهن عليه، وإثمهن على من أكرههن، وفي الحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري