قال تعالى : ولْيَسْتَعْفِفِ الذين لا يجدون نكاحاً أي : ليجتهد في العفة عن الزنا وقمع الشهوة من لم يجد الاستطاعة على النكاح ؛ من المهر والنفقة، حتى يُغْنِيَهُم الله من فضلِهِ ؛ حتى يقدرهم الله على المهر والنفقة، قال عليه الصلاة والسلام :" يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ؛ فإنه له وجَاءٌ " ١، فانظر كيف رتَّب الحق تعالى هذه الأمور ؟ أَمَرَ، أولاً، بما يَعْصِمُ من الفتنة، ويُبعد عن مواقعة المعصية، وهو غض البصر، ثم بالنكاح المُحَصَّنِ للدين، المغني عن الحرام، ثم بعزف النفس الأمارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة، عند العجز عن النكاح، إلى أن يقدر عليه. وبالله التوفيق.
ولما أمر بتزوج العبيد، أمر بمكاتبتهم، فقال :
. . . وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ. . . .
قلت : الكتاب هنا : مصدر، بمعنى الكتابة. وهي : مقاطعة العبد على مال مُنَجَّمٍ، فإذا أداه ؛ خرج حراً، وإن عجز، ولو عن نصف درهم، بقي رقيقاً.
يقول الحق جل جلاله : والذين يَبْتَغُون الكتابَ أي : والمماليك الذين يطلبون الكتابة مما ملكتْ أيمانُكم ؛ من عبيدكم فكاتِبُوهُم ، والأمر للندب، عند مالك والجمهور، وقال الظاهرية وغيرهم : على الوجوب، وهو ظاهر قول عمر رضي الله عنه لأنس بن مالك، حين سأله مملوكه سيرين الكتابة، فأبى عليه أنس، فقال له عمر : لتكاتبنه، أَوْ لأُوجِعَنَّكَ بالدِّرَّةِ٢. وإنما حمله مالك على الندب ؛ لأن الكتابة كالبيع، فكما لا يجبر على البيع لا يجبر عليها.
واختلف : هل يُجْبِرُ السيدُ عَبْدَهُ عليها، أم لا ؟ قولان في المذهب. ونزلت الآية بسبب حُوَيْطب بن عبد العُزَّى، سأل مولاه أن يكاتبه، فأبى عليه. وحكمها عام، فأمر الله سادات العبيد أن يُكاتبوهم إذا طلبوا الكتابة. والكتابة : أن يقول لمملوكه : كاتبتك على كذا، فإن أدى ذلك عُتِقَ، ومعناه : كتبت لك على نفسي أن تُعْتَقَ مني إذا وَفَّيْتَ المال، وكتبتَ لي على نفسك أن تفي بذلك. وتجوز حَالَّةً، وتسمى : القطاعة، ومُنَجَّمَةً وَغَيْرَ مُنَجَّمَةٍ.
وقوله تعالى : إنْ علمتمْ فيهم خيراً ، أي : قدرة على الكسب، وأمانة وديانة، والنَّدْبِيَّةُ متعلقة بهذا الشرط، فالخير هنا : القوة على الأداء بأي وجه كان، وقيل : هو المال الذي يؤدي منه كتابته، من غير أن يسأل أموال الناس، وقيل : الصلاح في الدين.
وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ، هذا أمر بإعانَةِ المكاتب على كتابته، واخْتُلِف : مَنِ المُخَاطَبُ بذلك ؟ فقيل : هو خطاب للناس أجمعين، وقيل : للولاة، والأمر على هذين القولين للندب، وقيل : للسادات المُكَاتِبينَ، وهو على هذا القول، ندب عند مالك، ووجوب عند الشافعي. فإن كان الأمر للناس، فالمعنى : أن يعطوهم صدقة من أموالهم، وإن كان للولاة : فيعطوهم من الزكوات أو من بيت المال، وإن كان للسادات فَيَحُطُّوا عنهم من كتابتهم، وقيل : يعطوهم من أموالهم، من غير الكتابة، وعلى القول بالحط من الكتابة اختلف في مقدار ما يُحَطُّ، فقيل : الربع، وروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل الثلث، وقال مالك : لا حد في ذلك، بل أقل ما يطلق عليه شيء، إلا أن الشافعي يجبره على ذلك، ولا يجبره مالك. وزمان الحط عنه في آخر الكتابة عند مالك، وقيل : في أول نَجْمٍ. قاله ابن جزي.
الإشارة : العبيد على أربعة أقسام : عَبْدٌ قِنُّ مقتنى للخدمة، وعبد مأذون له في التجارة، وعبد مُكَاتبٌ، وعبد آبق. فمثال الأول، وهو العبد القن : أهل الخدمة، وهم العباد والزهاد، أقامهم الحق تعالى لخدمته، وقَوَّاهُمُ على دوام معاملته، أهل الصيام والقيام، وأهل السياحة والهيام. ومثال الثاني، وهو المأذون له : العارفون بالله، يتصرفون في ملك سيدهم بالله، خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحكمون بحكم الله، ويأخذون من الله ويدعون إلى الله، يأخذون النصيب من كل شيء، ولا يُؤْخَذُ من نصيبهم شيء، قد سخرّ لهم كل شيء، ولم يُسَخَّرُوا لشيء، سُلَِطُوا على كل شيء، ولم يُسَلَّطْ عليهم شيء، يخالطون الناس بجسمهم، ويباينونهم بسرهم، فالدنيا سوق تجارتهم، والمعرفة رأس بضاعتهم، والعدل في الغضب والرضا مِيزانُهم، والقصد في الفقر والغنى عُنْوانهم، والعلم بالله مفزعهم ومنجاهم، والقرآن كتاب الإذن من مولاهم، والفهم عن الله مرجعهم ومأواهم.
ومثال الثالث، وهو المُكَاتَب : الصالحون من المؤمنين ؛ يعملون على فك رقبتهم من النار، فإذا أدوا ما فرض عليهم ؛ حررهم بعد موتهم، وأسكنهم فسيح جنانه. ومثال الآبق : هم العصاة والفجار، استمروا على عصيانهم، حتى قدموا على الملك الجبار، فهم تحت حكم المشيئة، إن شاء عفا عنهم، وإن شاء عاقبهم. والله تعالى أعلم.
ولما أمر بتزويج الإماء نهى عن إكراههن على الزنا، فقال :
. . . وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ اللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ .
يقول الحق جل جلاله : ولا تُكْرهُوا فتياتكم أي : إِمَاءَكُمْ، يقال للعبد : فتى، وللأمة : فتاة. والجمع : فتيات، على البغاء أي : الزنا، وهو خاص بزنا النساء. كان لابن أُبيِّ ست جوار : مُعَاذَة، ومُسَيْكَة، وأميمة، وعَمْرَة، وأَرْوَى، وقُتَيْلَة، وكان يكرههن، ويضرب عليهن الضرائب لذلك، فشكتِ ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية.
وقوله تعالى : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً أي : تعففاً، ليس قيداً في النهي عن الإكراه، بل جرى على سبب النزول، فالإكراه : إنما يُتَصَوَّرُ مع إرادة التَّحَصُّنِ ؛ لأن المطيعة لا تسمى مكرهة، ثم خصوص السبب لا يُوجب تخصيص الحُكم على صورة السبب، فلا يختص النهي عن الإكراه بإرادة التعفف، وكذلك الأمر بالزنا، والإذن فيه لا يُبَاحُ ولا يجوز شيء من ذلك للسيد، وما يقبض من تلك الناحية سُحْتٌ وربا. وفيه توبيخ للموالي ؛ لأن الإماء إذا رغبن في التحصن ؛ فأنتم أولى بذلك، ثم علل الإكراه بقوله : لتبتغوا عَرَض الحياةِ الدنيا أي : لتبتغوا بإكراههن على الزنا أجورهن وأولادهن، جيءَ به ؛ تشنيعاً لهم على ما هم عليه من أحمال الوزر الكبير لأجل النزر الحقير، أي : لا تفعلوا ذلك لطلب المتاع السريع الزوال، الوشيك الاضمحلال.
ومن يُكْرِههُنَّ ؛ على ما ذُكِرَ من البغاء، فإن الله من بعد إكرَاهِهِنَّ غفورٌ لهن رحيمٌ بهن، وفي مصحف ابن مسعود كذلك. وكان الحسن يقول : لهن والله. وقيل : للسيد إذا تاب. واحتياجهن إلى المغفرة المنبئة عن سابقة الإثم : إما اعتبار أنهن - وإن كن مُكْرَهَاتٍ - لا يخلون في تضاعيف الزنا من شائبة مطاوعة ما، بحكم الجِبِلَّةِ البشرية، وإما لغاية تهويل أمر الزنا، وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه، والتشديد في تحذير المكرِهِينَ ببيان أنهن حَيْثُ كُنَّ عُرْضَةً للعقوبة، لولا أن تداركهن المغفرة، الرحمة، مع قيام العذر في حقهن، فما بالك بحال من يكرههن في استحقاق العقاب ؟
قال القشيري : حامِلُ العاصي على زَلَّته، والداعي له إلى عَثْرَته، والمُعِينُ له على مخالفته، تتضاعف عليه العقوبة، وله من الوِزْرِ أكثرُ من غيره، وعكسه لو كان الأمر في الطاعة والإعانة على العبادة. هـ. ومن هذا القبيل : تعليم العلم لمن تحقق أنه يطلب به رئاسةً أو جاهاً، أو تَوَصُّلاً إلى الدنيا المذمومة، أو عَلِمَ منه قصداً فاسداً، فإن تحقق ذلك وعَلِمَه، فهو مُعين له على المعصية، كمن يعطي سيفاً لمن يقطع به الطريق على المسلمين. والله تعالى أعلم.
٢ أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٨/٣٧٢..
الإشارة : الأرواح والقلوب والنفوس لا يظهر نِتَاجُها حتى ينعقد النكاح بينها وبين شيخ كامل، فإذا انعقدت الصحبة بينها وبين الشيخ، قذف نطفة المعرفة في الروح أو القلب أو النفس، ثم يربيها في مشيمة الهِمَّة، ثم في حَضَانة الحفظ والرعاية، فَيَظْهَرُ منها نِتاجُ اليقين والعلوم والأسرار والمعارف، وأما إن بقيت أيامَى ؛ لا زوج لها، فلا مطمع في نِتَاجها، قال تعالى : وأَنْكِحوا الأيامى منكم ، وهي الأرواح، والصالحين من قلوبكم، ونفوسكم، إن يكونوا فقراء ؛ من اليقين، والمعرفة بالله، يغُنهم الله من فضله ؛ بمعرفته، والله واسع عليم، وليتعفف، عن المناكر، الذين لا يجدون من يأخذ بيدهم، حتى يغنيهم الله من فضله ؛ بالسقوط على شيخ كامل ؛ فإنه من فضل الله ومنته، لا يسقط عليه إلا من اضْطُرَّ إليه، وصَدَقَ الطلبَ في الوصول إليه. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي