ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ

قوله تعالى : ولْيَسْتَعْفِفِ الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حتّى يُغنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ، الآية :[ ٣٣ ] :
أمرهم بالتعفف - عند تعذر النكاح - عما حرمه الله تعالى، وذلك على الوجوب.
وفيه دليل على أن إباحة الاستمتاع موقوفة على النكاح، ولذلك يحرم ما عداه، ولا يفهم منه التحريم بملك اليمين، لأن من لا يقدر على النكاح لعدم المال لا يقدر على شراء الجارية غالباً. وفيه دليل على بطلان نكاح المتعة، ودليل على تحريم الاستمناء١.
قوله تعالى : فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُم فِيهِمْ خَيراً : روي عن عطاء أنه قال : ما أراه إلا واجباً، وهو قول عمر بن دينار.
واعلم أن إيجاب ذلك لا محمل له إلا التوقيف، وإلا فإجبار المالك على إزالة ملكه لا وجه له، ولا يقتضيه أصل الشرع وقياسه، لأن الكتابة بعيدة عن قياس الأصول، وتقتضي الأصول بطلانها، فيشبه أن يكون قوله : فكَاتِبوهُم إن عَلِمتُم فِيهِم خَيراً ، رخصة في الكتابة رفعاً للحرج المتوهم، مثل قوله تعالى : وإذا حَلَلْتُم فاصْطَادُوا٢ ، ومثل قوله : فإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وابْتًغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ٣ ، وكل ذلك رفع للحرج.
وكذلك، إذا قلنا الأصل امتناع الكتابة، إلا أن الشرع أرخص فيها وجوزها بطريق الرخصة، فمطلق الأمر فيه لا يظهر منه الوجوب.
ولأن تعليقها بابتغاء العبد مما يدل على أنها غير واجبة، ولو وجبت لوجبت حقاً للشرع، غير متعلقة بابتغاء العبد.
والذي يخالف في ذلك وينصر مذهب عطاء يقول : إنما احتمل الشرع مخالفة قياس القواعد ابتغاء تحصيل العتق الذي هو حق الله تعالى٤، والمقصود به تفريغ العبد بحريته لطاعة الله تعالى، بعد أن كان كثيراً من أوقاته لغير حق الله عز وجل.
وإذا ثبت أن الأمر كذلك، فقد وضع الله تعالى ذريعة لتحصيل هذه المكرمة شرعاً بلفظ الوجوب.
فمخالفة قياس الأصول كانت لتعظيم أمر الحرية، فمن أين مبعث الوجوب ؟
نعم في قوله تعالى : وإذَا حَلَلْتُم فاصْطَادُوا ، و فإذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فانْتَشِرُوا ، كل ذلك لغرض غير غرض الشهادة وغير مقصود الشرع، وهاهنا هذا فيه تحصيل الحرية، فاحتمل فيه ما احتمل من مخالفة قياس الأصول لهذا المعنى، حتى جعل له في الزكاة قسط، ولم يجعل ذلك إلا ليتوصل به إلى الحرية، وأوجب كثير من العلماء فيه التأجيل إرفاقاً بالعبد، فكان هذا الإرفاق مقصود الشرع بلفظ الأمر الدال على الوجوب، فما الذي منع من وجوبه ؟
يبقى أن يقال : ولو كان واجباً لما توقف على ابتغاء العبد.
قالوا : إذا لم يتمكن العبد، فإجباره على الإضرار بنفسه لا وجه له، وإن كان العبد قادراً على الاكتساب، فلا شك في أنه لا يقصر في حق نفسه في سعي الكتابة، فبنى الشرع على الغالب، ونظيره أن الشرع أوجب الطهارة لدخولها في محاسن الأخلاق، وتحقيقاً لمقصود النظافة والوضاءة وإحياء لمراسم العبادة، وعلم الشرع أن إيجابها عند تغيير الأكوان يجر حرجاً، فوضع مراسم تفي بالمقصود. . كذلك هاهنا.
وهذا الذي ذكروه لا وجه له، فإن الترغيب فيه ليزيل عن القلوب ما فيها من منافاة قياس الأصول، ولو وجبت الكتابة لوجبت لمقصودها، وهو العتق، كالطهارة لما وجبت للصلاة، والعتق لا يجب بالإجماع، ولا يتحتم بالاتفاق.
وقولهم إنها أوجبت ذريعة فضرب من الهذيان، فإن السيد قادر على استكساب العبد دون الكتابة، فليس يتجدد له بالكتابة حق٥، وفيه إزالة ملكه من غير أن يحصل على مقابل له، فهذا تمام ما يستدل به على نفس الوجوب.
ثم قال تعالى : وآتُوهُم مِنْ مَالِ اللهِ الّذي آتاكُم ، الآية :[ ٣٣ ] : قال الشافعي : ثم أمر من يكاتب بالإيتاء، ولا يتصور هذا الإيتاء إلا من جهة حط شيء، ولا يمكن حمله على الزكاة، فإن السيد لا يجب عليه أن يفرق الزكاة إلى عبده إجماعاً.
ولا شك أن ظاهر اللفظ لا يقتضي الحط، لأنه ليس بإيتاء للمال، وإنما يدل عليه من حيث المعنى، لأن قوله : مِنْ مَالِ اللهِ الّذي آتاكُم ، لا بد أن يحمل على ملك تجدد بعد الكتابة، وصار مالاً مستحقاً للسيد، فمن هذا الوجه حسن إطلاق هذا اللفظ عليه.
وقال إسماعيل بن إسحاق في الرد على الشافعي : كيف تكون الكتابة ندباً والإيتاء واجباً ؟ وإذا تبرع به لزمه أحكامه وتوابعه والقضايا المتعلقة به ؟ ومعلوم أن النكاح غير واجب، وإذا نكح وجب فيه أحكام لها، وإذا طلق فلها المتعة واجبة على الزوج.
ومما ذكر أن إطلاق مال الله تعالى لا يقتضي إلا الزكاة، ومال الله تعالى في عرف الشرع لا يفهم منه إلا الزكاة، وما عداه لا يضاف إلى الله تعالى بحكم الإطلاق، وقد قسم الله تعالى الحقوق إلى ما يضاف إلى الله عز وجل، وإلى ما يضاف إلى الآدمي، وإن كان الكل حقاً لله تعالى.
والجواب أن هذا لما وجب بحق الله تعالى، ولغرض الحرية، وحسن أن يقال : مال الله تعالى، لأنه قصد به وجه الله عز وجل وتحصيل ثوابه.
وربما قالوا : إن السيد لا يستحق على المكاتب مالاً، حتى يصح أن يقال في الحط، إنه مال آتاه السيد، إنما كان مستحقاً له، فأما ما ليس مستحقاً له فلا يقال فيه توهم ما يملكه ويستحقه، فإذا لم يكن دين المكاتب مستحقاً عليه، فمن أي وجه يوصف السيد بأنه آتاه مالاً، وما آتاه شيئاً ملكه، ولا شيئاً استحقه.
ويجاب عنه بأنه يجوز أن يطلق ذلك، إذا كان المال ينساق إليه، فكأنه آتاه ماله من حيث إنه ينساق إليه.
وبالجملة، قوله : وآتوهُم من مالِ اللهِ الذِي آتاكُم : مجاز في الحط من وجوه بينة وحقيقة في الزكاة، وقوله : فَكَاتِبُوهُم إنْ عَلِمْتُم فِيهِم خَيْراً وآتُوهم ، حقيقة أنه خطاب للسادة الذين يكاتبون، مع أنه يجوز أن يحمل على وجه آخر بطريق المجاز، فلم يسلم كل واحد من المحملين على مجاز، فإن كان كذلك، فلا يظهر مذهب الشافعي من حيث التعلق بالظاهر، ويتجه للشافعي أن يقول : إيتاء المكاتب الصدقات فهم من قوله تعالى : وفي الرِّقَابِ ، فهذا لا بد أن يكون له فائدة زائدة، تشهد له أن ما آتاه الواحد منا، يجب أن يكون على وجه إذا حصل عند المعطى يتصرف فيه، ولم يحصل للسيد عليه بدلاً يستحق الصفة بأنه من مال الله الذي آتاه إياه، ولو كان الإيتاء واجباً، لكان وجوبه متعلقاً بالعبد، ويكون العبد هو الموجب وهو المسقط وذلك مستحيل، لأنه إذا كان العبد يوجبه وهو بعينه يسقطه، استحال وجوبه، لتنافي الإيجاب والإسقاط٦.
وبالجملة، ما صار مستحق الإسقاط فحكمه أن يسقط، ولا نعرف في مسائل الشرع مسألة أعوص على أصحاب الشافعي من مسألة الإيتاء، ولا معتمد لهم فيها إلا آثار الصحابة، وهي معتمدة قوية ذكرناها في كتاب المصنف في الروايات٧.
واعلم أن الكتابة من الأسماء الشرعية، فإنها على الوجه الذي ثبت في الشريعة لم تكن معلومة، فحل ذلك محل الصلاة والصيام.
ثم اختلفوا بعد ذلك، فمنهم من قال : يعقل من ظاهرها التأجيل : إذا لم يكن شرطاً فيها لم تكن كتابة، وقال بعضهم : بل لا يعقل ذلك من الظاهر، وهذا أظهر، فإن الشيء قد يُكتب ولا تأجيل فيه، كما قد يكتب وهناك تأجيل، فالظاهر لا يدل على ذلك، وقول من يقول إنها تجوز حالة، وقول من يقول لا تجوز إلا مؤجلة أو منجسة موقوف على الدليل، لأن الظاهر لا يشهد بأحد هذه الوجوه.
واختلفوا في صورة الكتابة، فقال بعضهم : يكفي أن يكاتبه على دراهم معدودة فيعتق بالآداء في وقته، وقال بعضهم : بل لا بد أن يقول : فإذا أديته إلي فأنت حر، ليجمع بين العقد وبين تعليق الحرية بالصفة، لأن عنده أن العقد بينه وبين السيد لا يصح، فتحريره له تعلق بصفة تصح، فلا بد من ضم ذلك إليه.
ولم يختلفوا في أن ذلك رخصة، لأنا لو خلينا العقل، لكان يبطل، لأنه أزال ملكه بملكه، إذ الذي تحصل في يده ملك للمولى، لكنه بعقد الكتابة جعل لما يحتوي عليه حكم مخصوص، لم يبلغ حد الملك، ولا وقف على الحد الذي كان وهو رقيق خالص.
وأحكام الكتابة مبينة في مسائل الفقه.
قوله تعالى : وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُم عَلَى البِغَاء إنْ أَرَدْنَ تَحَصناً ، الآية :[ ٣٣ ] : روي عن جابر في سبب نزول الآية، أن عبدالله بن أبي بن سلول كانت له جارية يكرهها على الزنا٨.
والعبرة بمطلق اللفظ، فتدل الآية بمطلقها على تحريم الإكراه على الزنا، وعلى تحريم أخذ البدل، وهو المراد بنهيه صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي، وتدل على أن الإكراه يصح في الزنا فيما يحصنها، لأنه مفعول فيها، فعلى كل الأقاويل يجوز أن تكره عليه، ويدل على أنها إذا أكرهت فلا إثم عليها، فإن الله تعالى قال : فإنَ اللهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، الآية :[ ٣٣ ].
فإن قيل : فإذا لم يكن عليها إثم لمكان الإكراه، فما الذي يغفر ؟ فجوابها أن يقول : لما كان لولا الإكراه لكان عليها إثم في ذلك، زال الإثم لمكان الإكراه، وبين أن دخول الإكراه فيه هو الذي أزال عقابه، ولذلك ألحقه بباب ما يغفر، وهذا كما قال الله سبحانه في تناوله الميتة بلا إثم للمضطر : فإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيم .
إنْ أَرَدْنَ تَحَصناً : إنما ذكر تصوير الإكراه، لأن الإكراه لا يتصور إلا مع بذلها نفسها، فذكر إرادة التحصن تصوير الإكراه.
قوله تعالى : وإذَا دُعُوا إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُم إذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُعْرِضُون ، الآية :[ ٤٨ ] : فيه دليل على أن من ادعى على غيره حقاً ودعاه إلى الحاكم، وجبت عليه إجابته والمسير معه إليه، وعلى الحاكم أن يعد به عليه.

١ - الاستمناء بالكف، وقد ذكر ذلك القرطبي في تفسيره والفخر الرازي وصاحب محاسن التأويل في تفسير سورة المؤمنون..
٢ - سورة المائدة، آية ٢..
٣ - سورة الجمعة، آية ١٠..
٤ - انظر أحكام القرآن للجصاص في تفسير سورة النور..
٥ - انظر أحكام القرآن للجصاص وتفسير القرطبي..
٦ - انظر أحكام القرآن للجصاص، وتفسير القرطبي..
٧ - وكتاب المصنف في الروايات، هو من الكتب الهامة جدا في فن الفقه والحديث قام بتأليفه مصنف هذا الكتاب الذي بين أيدينا الآن..
٨ - كما ذكر ذلك الواحدي في أسباب النزول، والسيوطي أيضا، والطبري في تفسيره..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

إلكيا الهراسي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير