والذين إذا أنفقوا لم يُسْرفُوا ؛ لم يجاوزوا الحد في النفقة. وعن ابن عباس : لم ينفقوا في المعاصي. فالإسراف : مجاوزة حد الأمر، لا مجاوزة القدر. وسمع رجلٌ رجلاً يقول : لا خير في الإسراف، فقال : لا إسراف في الخير. وقال صلى الله عليه وسلم :" من منع حقاً فقد قتر، ومن أعطى في غير حق فقد أسرف ". ولم يَقْتُرُوا ، القتر والإقتار والتقتير : التضييق. وقرئ بالجميع، وكان بين ذلك قواماً أي : وكان إنفاقهم بين الإسراف والإقتار قواماً ؛ عدلاً بينهما. فالقوام : العدل بين الشيئين. قال أبو عبيدة : لم يزيدوا على المعروف، ولم يخلو به، لقوله : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ. . .
[ الإسراء : ٢٩ ] الآية. وقال يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية : أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة. ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسدُّ عنهم الجوع، ويقويهم على عبادة ربهم، ومن الثياب ما يستر عوراتهم، ويُكِنُّهم من الحرّ والبرد.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : كفى بالمرء سَرَفاً إلا يشتهي شيئاً إلا اشتراه فأكله. ومثله في سنن ابن ماجه١ ؛ مرفوعاً. قال القشيري : الإسراف : أن ينفق في الهوى ونصيب النفْس، ولو فلساً، وأما ما كان لله فليس فيه إسراف، ولو ألفاً. والإقتارُ : ما كان ادخاراً عن الله، فأمَّا التضييقُ على النَّفْس ؛ منعاً لها عن اتباع الشهوات، ولتتعود الاجتزاء باليسير، فليس بالإقتار المذموم. ه.
سورة الفرقان
مكية. وهي سبع وسبعون آية. ومناسبتها لما قبلها : ما في خاتمتها من تعظيم الرسول – عليه الصلاة والسلام – وما افتتحت به من تعظيمه أيضا ؛ لكونه نذيرا للعالمين. وناسب قوله في هذه : الذي له ملك السماوات والأرض ، قوله فيما قبلها : ألا إن لله ما في السماوات والأرض [ النور : ٦٤ ].
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي