ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ

الصفة الخامسة :
" والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا أو لم يقتروا، وكان بين ذلك قواما ".
المناسبة :
مضى وصفهم بأنهم يبيتون لربهم سجدا وقياما، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتربي النفس على استصغار الدنيا وما فيها، وعلى تعظيم الرب والوقوف عند حدوده. فلا يعظمن شيء من الدنيا عند أهل الصلاة فيمسكوا عن بذله في الحق، و لا يستهويهم شيء منها فينتهكوا لأجله حدود الله وحرماته.
ولما كان المال هو أعز شيء في هذه الدنيا، و هو أعظم سبب لنيل مبتغياتها، وصفوا بأنهم في تصرفاتهم فيه على أكل حال، وهي حالة العدل، التي أثمرتها لهم الصلاة، فلا يمسكونه عن حق، ولا يبذلونه في باطل.
المفردات :
( أنفقوا ) بذلوا المال في وجه من الوجوه.
( الإسراف ) مجاوزة الحد المشروع، ( الإقتار ) التقتير. التضييق.
( القوام ) العدل بين الشيئين، أي المعتدل ما بينهما. وسمي العدل بين الشيئين قواما، لاستقامة طرفيه واعتدالهما، فلا إلى هذا ولا إلى ذاك.
التراكيب :
" وكان " أي هو، أي إنفاقهم المفهوم من أنفقوا، ( بين ذلك ) خبر كان، ( وقواما ) حال مؤكدة. فلو قيل : وكان بين ذلك لكان كافيا، ولكن أكد ( بقواما )، لما فيه من صريح اللفظ المفهم للعدل، والإنفاق يكون ولا يكون والشأن أن يكون ؛ ولهذا علق، وكان التعليق بإذا.
الإسراف شر من التقتير :
وقدم نفي السرف على نفي التقتير ؛ لأن الإسراف شرهما، ففيه مجاوزة الحدود، وضياع المال، وفي التقتير مفسدته مع بقاء المال فينفقه في الخير، وقد يبقى لغيره فينتفع به.
المعنى :
إذا أنفقوا أموالهم لم يتجاوزوا الحد المشروع، ولم يضيقوا فيقصروا في القدر المطلوب. وكان إنفاقهم بين التجاوز والتضييق، عدلا مستويا لا إفراط فيه ولا تفريط.
وصفهم بالقصد الذي هو وسط بين الغلو والتقصير، وهو الحالة بين الحالتين، والحسنة بين السيئتين.
تحديد :
الإسراف مذموم فهو ما كان في منهي عنه نهي تحريم، أو كراهة، أو في مباح قد يؤدي إليهما. (١)
أمثلة للإسراف والتقتير :
فالأول : كمن أولم وليمة أنفق فيها جميع ماله، وأصبح بعدها هو وأهله للضيعة والحاجة.
والثاني : كمن أولم وليمة دعته إلى الاستدانة، وإن كان يظن القدرة على الأداء، لأن الدين محذر ومستعاذ منه.
والثالث : كالاستمرار على إيلام الولائم مع القدرة عليها في الحال، مما قد يؤدي إلى الأمرين المذكورين في المآل(٢).
والتقتير مذموم أيضا.
فهو ما كان إمساكا عن مأمور به أمر وجوب.
أو استحباب.
أو عن مباح يؤدي إليهما :
فالأول : كمن يمسك عن أهله شحا حتى يذيقهم ألم الجوع والبرد.
والثاني : كمن لا يذيقهم بعض الطيبات التي يخص بها نفسه من السوق.
والثالث : كمن يمسك عن تطييب خاطر زوجته ببعض الكماليات مع قدرته عليها، مما قد يفسد قلب زوجته عليه، أو يحملها على ما لا يرضيه.
الوسط :
والقوام العدل الذي هو الممدوح :
فهو أن ينفق في الواجب والمندوب، وما يؤدي إليهما، ويمسك عن الم الصفة الرابعة :
" والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم، إن عذابها كان غراما.
إنها ساءت مستقرا ومقاما ".
المناسبة :
لما ذكر حسن سلوكهم مع الخلق، واجتهادهم في عبادة الحق، ذكر خوفهم من ربهم، واعتمادهم عليه في نجاتهم، وعدم اعتزازهم بأعمالهم، فهم يأتون ما يأتون من محاسن الأعمال، ولا يعتمدون إلا الكبير المتعال.
المفردات :
( الغرام ) مادة ( غ ر م ) تدور(٣)على معنى الملازمة مع الثقل والشدة، ولذا فسر الغرام بالشر، وبالعذاب، وبالهلاك الملازم.
( ساءت )، بمعنى قبحت، مثل بئس لإنشاء الذم.
( المستقر ) محا الإقامة أي البقاء.
والتراكيب :
( ساءت ) فاعلة الضمير المخصوص بالذم.
و ( مستقرا ومقاما ) تمييز مفسر للضمير.
وجملة إن عذابها تعليل للجملة الدعائية(٤)، وفصلت عنها لكمال الانقطاع بينهما(٥)
وجملة :( إنها ساءت ) مؤكدة لمضمون الجملة قبلها مع اختلاف في المعنى : فإن ما أفادته الأولى من فداحة عذابها وملازمته، أكدته الثانية بما أفاده من مقامه مستقرها، ففصلت عنها لما بينهما من كمال الاتصال نظير : ذلك الكتاب لا ريب فيه.
والتأكيد فيها بأن، لأنه لوح وأشير في الكلام السابق إلى هذا الخبر، وشأن السامع لهذا أن يستشرف له استشراف المتردد الطالب، فينزل منزلة المتردد فيؤكد له الخبر. (٦)
ووجه التلويح بهذا الخبر : أنه لما سئل صرف عذاب جهنم كان هذا مشيرا إلى قبح هذا العذاب وشدته. فهذا نظير ولا تخاطبني في الذين ظلموا... إنهم مغرقون.
المعنى :
من صفاتهم أنهم يدعون الله تعالى أن يصرف عنهم عذاب جهنم ؛ لأن عذابها عذاب شديد، فادح، ملح، ملازم. ولأنها بئست المستقر الذي يستقر ويثبت فيه. وبئست المقام الذي يقام ويمكث فيه.
رد واستدلال :
غلو في الزعم ورده
زعم قوم أن أكمل أحوال العابد، أن يعبد الله تعالى لا طمعا في جنته، ولا خوفا من ناره. وهذه الآية وغيرها رد قاطع عليهم.
ومثلها قول إبراهيم – عليه وعلى آله الصلاة والسلام – " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين "، وفي نصوص لا تحصى كثرة.
وزعموا أن كمال التعظيم لله ينافيه أن تكون العبادة معها خوف من عقاب، أو طمع في ثوابه. وأخطأوا فيما زعموا :
فإن العبادة مبناها الخضوع والذل والافتقار، والشعور بالحاجة والاضطرار.
وإظهار العبد هذه العبودية بأتمها، ومن أتم مظهر لها، أن يخاف، ويطمع، كما يذل، ويخضع ؛ ففي إظهار كمال نقص العبودية القيام بحق الإجلال والتعظيم للربوبية.
ولهذا كان الأنبياء – عليهم وآلهم الصلاة والسلام – هم أشد الخلق تعظيما لله، وأكثرهم خوفا من الله، وتعوذا من عذاب الله، وسؤالا لما عند الله، وكفى بهم حجة وقدوة.
مؤدى :
وإن هذه المقالة(٧) تكاد تفضي إلى طرح الرجاء والخوف، وعليهما مبنى الأعمال، لما فيهما من ظهور العبودية بالذل والاحتياج.
ومن دعاء القنوت الثابت المحفوظ :" وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد " وهذا ضروري في الدين.
سبب الغلو :
ولكن مثل هذه المقالة إنما يجر إليها :
الغلو وقلة الفقه في الدين، وفي الكتاب والسنة، وما كان عليه هدى السابقين الأولين.
واعتبار ونصيحة :
قدر العذاب
إن جهنم هي أقبح مستقر وأقبح مقام.
وإن الدنيا هي مطية الآخرة ؛ فمن ساء مستقره ومقامه في الدنيا، ساء كذلك مستقره ومقامه في الآخرة.
وإن ملازمة العذاب في الآخرة على قدر ملازمة المعاصي في الدنيا ؛ فمن لازمها بالكفر، مات عليه، دامت له تلك الملازمة. ومن لازمها بالاصرار على الكبائر كانت له، على حسب ذلك الملازمة.
فعلى العاقل أن يحسن مقره ومقامه، وأن يجتنب كل موطن تلحقه فيه الملامة. وأن يجتنب مجالس السوء والبدعة، ويلازم مجالس الطاعة والسنة.
وأن يسرع بالتوبة مفارقا الذنوب، وألا يصر على شيء من القبائح والعيوب.
وأن يكون سريع الرجوع إلى الله ولو عظم ذنبه وبلواه، فالله يحب التوابين ويغفر للأوابين جعلنا منهم أجمعين آمين(٨).
أيهما أكمل :
العبادة مع رجاء الثواب وخوف العقاب ؟
أم العبادة دونهما ؟
زيادة بيان على قوله تعالى :" والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم، إن عذابها كان غراما ".
تمهيد :
قد قال قوم : إن العبادة دون رجاء ثواب ولا خوف عقاب هي أكمل العبادات !
وأنكرنا مقالتهم فيما كتبناه على قوله تعالى :" والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم، إن عذابها كان غراما " فيما سبق.
وقلنا في الإنكار عليهم :
" وزعموا أن كمال التعظيم لله ينافيه أن تكون العبادة معها خوف من عقابه، أو طمع في ثوابه، وأخطأو فيما زعموا ".
وذكرنا إثر ذلك بعض الأدلة التي اعتمدنا عليها...
وبعد أن مضى على ذلك ثلاثة أشهر كاملة ! !نشر الشيخ المولود الحافظي مقالا ردا علينا.
دون أن يذكر جميع أدلتنا.
ودون أن يتعرض لنقضها أو متنها، أو عدم انطباقها، أو إفادتها لما سبقت لإفادته.
ودون أن يعارضها بمثلها في الرتبة والدلالة.
وأطال بما بعضه خارج عن محل النزاع، وبعضه هو نفس الدعوى المحتاجة إلى الاستدلال.
فرأينا – إثر اطلاعنا على مقاله – أن نعود لذكر أدلتنا التي اعتمدنا عليها فيما اخترناه : من أن وضع العبادة الشرعية، على رجاء الثواب وخوف العقاب، وبيان دلالتها على المدعي. ثم نتكلم على بعض ما في مقاله، فنقول : حقيقة العبادة.
مقتضى الضعف والافتقار :
إن العبادة هي غاية الذل والخضوع، مع الشعور بغاية الضعف والافتقار. ومن مقتضى الضعف أن يخاف ويوجل، ومن مقتضى الافتقار أن يرجو ويطمع :
٥- فخوف العبد من عقاب ربه، هو من مقتضى اعترافه بضعفه وقوة ربه، وشهوده لعزته وقهره، وعموم تصرفه في خلقه، وأنه لا معقب لحكمه، وأنه لا يؤمن من مكروهه.
٦- وطمعه في ثوابه، هو من مقتضى اعترافه بحاجته وفقره وغنى ربه، وفضله، وتصديقه بوعده ؛ فهو يعبده ويخاف ألا يقبل عبادته، ويخشى نقمته(٩). ويعبده ويرجو رحمته، وينتظر مثوبته.
وفي عبادته هذه إظهار لغاية العبودية بنقصها وحاجتها، وقيام بحق التعظيم والإجلال للربوبية، والاعتراف لذلك المقام بالقدرة والعزة، والغنى والرحمة والكمال.
فوضعت العبادة في الدين على خوف العقاب، ورجاء الثواب، لما في ذلك من إظهار غاية عبودية العبد بضعفه وافتقاره، أمام ربه الغني الرحيم القوي المتين.
الأدلة :
والدليل على هذا ستسمعه، من الكتاب، والسنة، و أقوال السلف :
أولا :
أما الكتاب : فقوله تعالى :
١١- " إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون. تتجافى جنوبهم عن المضاجع(١٠)يدعون ربهم خوفا وطمعا، ومما رزقناهم ينفقون. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين(١١)جزاءا بما كانوا يعملون(١٢) ".
ووجه الدليل من الآية :
أن هؤلاء المذكورين فيها، هم الكمل من عباد الله الصالحين، بدليل حديث أبي هريرة – رضي الله عنه المروي في الصحيح – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – " يقول الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ملا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذخرا بله ما اطلعتم عليه ".
ثم قرأ قوله تعالى :" فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ".
ومع كمالهم(١٣)لم تتجرد عبادتهم من الخوف والطمع(١٤).
ووجه أخر :
وهو أن الله تعالى ذكر لنا عبادتهم ؛ لنعرف العبادة الشرعية كيف تكون ؟ فذكرها مع الخوف والطمع، فعرفنا أن العبادة وضعت في الشرع على ذلك.
ووجه ثالث :
وهو : أنه تعالى ذكر لنا صفاتهم وعبادتهم ؛ لنقتدي بهم فيها، فعلم أن العبادة هي التي يدعونا ربنا إليها هي العبادة خوفا وطمعا.
١٢- ومثل هذه الآية :
" الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار.
ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته، وما للظالمين من أنصار. ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ؛ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار. ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد(١٥).
ووجه الدليل منها كالتي قبلها.
وتزيد عليها ببيان صريح دعائهم وطلبهم الوقاية من النار،

١ رأى الإمام ما حاق ببني جلدته من الإسراف الممقوت تحت تأثيرات عدة، وأعذار واهية. ومن ثم، فهو ينتهز الفرصة لبيان الضرر والإثم في ذلك.. ولقد رأيت اعتدال كثير من الناس في الجزائر في الإنفاق في حفلاتهم ومآدبهم عقب وصية الإمام لهم، جزاه الله الخير..
٢ استجاب كثير من الجزائريين لنداء الشيخ، فأصبحت ترى طعام الكسكسي هو السائد في حفلات وولائم معظمهم..
٣ للإمام بصر بفقه اللغة، وتوفية المفردات اللغوية من البحث والاستشهاد بالفصيح..
٤ الجملة الدعائية " ربنا اصرف عنا...".
٥ إذ لأولى إنشائية، والثانية خبرية وهذا ما يسمى بكمال الانقطاع موجب للفصل: وعدم الوصل بالواو. ولقد قدرنا جملة :" إن عذابها كان غراما"، جوابا عن سؤال مقدر كأن سائلا سأل له : لماذا يصرف عنكم، ولو كانت جملة " إنها ساءت مستقرا..." جوابا لوجب الفصل أيضا بشبه كمال الانقطاع؛ إذ الجواب عن السؤال، مع الاختلاف أيضا في الانشائية والخبرية.
ومثل كمال الانقطاع؛ في وجوب الانفصال، كمال الاتصال، أو شبهه، كما سيذكر لإمام في جملة " إنها ساءت..."
.

٦ والمتردد الشاك يؤكد الخبر تأكيدا خفيفا، ليزيل شكه وتردده.. وهذا من ورود الكلام على مقتضى الحال. وبصر الإمام بالبلاغة.
.

٧ أي زعم الزاعمين..
٨ بعدما فسر الإمام – رحمه الله – الصفة الرابعة من صفات عباد الرحمن، نشر الشيخ المولود الحافظي – بعد انقضاء ثلاثة أشهر – مقالة، في جريدة البلاغ التي كانت تصدر بالجزائر وقتئذ، ذكر فيها أن العبادة يجب أن تكون لله دون رجاء ثواب، ولا خوف عقاب، لأن كمال التعظيم لله ينافيه أن يصاحب العبادة خوف من العقاب، أو رجاء في الثواب.
فانبرى له الشيخ باديس يرد عليه في هذا المقال الضافي، في غزارة علم، وطول باع، وسعة اطلاع، بعنوان : أيهما أكمل : العبادة مع رجاء الثواب وخوف العقاب؟ أم العبادة دونهما؟ ونشر ذلك الرد وقتها في مجلة " الشهاب " التي كان يحررها بن باديس ج ا، من المجلد في غرة رمضان سنة ١٣٥١ ه.
ولما لهذا الرد من صلة وثيقة بالصفة الرابعة من صفات عباد الرحمن، رأينا إثباته عقب التفسير لهذه الصفة، لما في ذلك من فوائد جمة..

٩ وقد قال أبو بكر رضي الله عنه: أنه يخشى مكر الله وغضبه، ولو كانت إحدى قدميه في الجنة!!.
١٠ تتجافى: ترتفع وتنحني للعبادة. المضاجع الفرش التي يضطجع عليها..
١١ قرة أعين : موجبات المسرة والفرح..
١٢ سورة السجدة الآيات : ١٥، ١٦، ١٧..
١٣ العباد الصالحين..
١٤ بل ذكرت صراحة في الآية..
١٥ سورة آل عمران الآيات : ١٩١ حتى ١٦٤..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير