(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)
الإنفاق هو الصرف فيما يقيم الأود ويدفع الجوع، والإسراف هو الإنفاق في غير الحاجة بالزيادة عليها، والإسراف المنهي عنه هو الإنفاق في غير حق للَّه أو
للناس أو لنفسه، ولقد قال ابن عباس: " من أنفق مائة ألف في حقه فليس بمسرف، ومن أنفق درهما في غير حقه فهو مسرف، ومن منع من حق عليه قتر ".
وظاهر الآية أن عباد الرحمن قد أخذوا بقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)، والقتر هو التضييق على النفس بحيث يكون في قدرة، ويحرم نفسه من أقل مطالب الحياة، أو يضيق فيها، والإقتار الفقر أو الضيق في المادة، كما قال تعالى: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ...)، ومعنى الآية أنه ينفق في حلال بمقدار طاقته وقدرته، ولا يضيق على نفسه في الحلال، (وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا) أي عدلا بين الإسراف والقتر.
وإن النص الكريم يفهم منه أمران: أحدهما - ألا ينفق في حرام قط، وألا يضن عن حلال موجود إلا تربية للنفس وتهذيبا، وفطما لها عن الشهوات، ولذا كان عمر رضي اللَّه عنه يعد من يطلب كل ما يشتهى مسرفا، لأنه إذا حق الأمر لا يستطيع قدع نفسه عن شهواتها.
الأمر الثاني - أن الإنفاق بين الإسراف والقتر يختلف باختلاف أحوال الأشخاص، فإذا كان الرجل كسوبا عليه أن ينفق في الحلال والجهاد بمقدار كسبه وطاقته ما دام ينفق في مطلوب، وما دام كسبه واسعا، ولقد قبل النبي - ﷺ - من أبي بكر كل موفور ماله لأنه تاجر كسوب، يعرف مواضع الكسب والخسارة، ولم يقبله من غيره، وقد قال تعالى: (وَيَسْألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ...)
، أي السهل اللين الذي لَا يجهد ذا المال إنفاقه ولا يصعب عليه.
هذه أحوال إيجابية هي التي صورت شخصية عباد الرحمن والتي كونت فيهم الإيمان والعمل الصالح، والجمع بين سلامة القلب، واستقامة العمل، وتكوين الإنسان النافع، وقد ذكر سبحانه وتعالى بعد ذلك ما يتجنبونه لكيلا يكون ما يعوق هذه الأخلاق العالية، فقال تعالى:
(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)
إن أولئك الأبرار الذين رضي اللَّه سبحانه وتعالى أن يضيفهم إلى ذانه العلية، فقال وعباد الرحمن، قد اتصفوا بالكمالات البشرية فهم لَا يستعلون على الناس، ويرفقون بهم، ولا يشاكسون بل تكون علاقتهم بالناس دائما أمنا وسلاما، وامتلأت قلوبهم بالتقوى والخوف من العذاب، والذين قد اتزنوا في حياتهم لا يسرفون ولا يقترون، أولئك فد اتصفوا بصفات، وهي ذاتها تحمل جزاء، فالكريم إذا اتصف بمعالي الصفات، كان جزاؤه هو هذه الصفات ذاتها، وهي نعم الجزاء، ولذا لم يذكر سبحانه وتعالى جزاءها، وإن كان لها الجزاء الأوفى.
وقد ذكر سبحانه ما اجننبوه، وهو كبريات المساوئ الإنسانية، كما أنهم تحلوا بأعلى المناهج الكمالية، فقال تعالى:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة