تفسير المفردات : بفاحشة : أي فعلة قبيحة كنشوز وسوء خلق واختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله ورسوله، مبينة : أي ظاهرة القبح من قولهم : بين كذا بمعنى ظهر وتبين، ضعفين : أي ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه، يسيرا : أي هينا لا يمنعه عنه كونهن نساء النبي، بل هذا سبب له.
المعنى الجملي : بعد أن نصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فرد عنه الأحزاب، وفتح عليه قريظة والنضير، ظن أزواجه رضي الله عنهن أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم فقعدن حوله وقلن : يا رسول الله : بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، والإماء والخول -الخدم والحشم- ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق، وآلمن قلبه الشريف بمطالبهن من توسعة الحال ومعاملتهن معاملة نساء الملوك وأبناء الدنيا من التمتع بزخرفها من المأكل والمشرب ونحو ذلك فأمر الله تعالى أن يتلو عليهن ما نزل في شأنهن :
روى أحمد عن جابر رضي الله عنه قال : أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس ببابه جلوس، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر رضي الله عنه فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فدخلا، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر : لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك، قال : يا رسول الله ! لو رأيت ابنة زيد -امرأة عمر- سألتني النفقة آنفا فوجأت عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال :" هن حولي يسألنني النفقة " فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقول : تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده، فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن : والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده، وأنزل الله عز وجل الخيار، فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال لها :" إني أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك "، قالت وما هو ؟فتلا عليها : يا أيها النبي قل لأزواجك . قالت عائشة رضي الله عنها : أفيك أستأمر أبوي ؟ بل أختار الله تعالى ورسوله، وأسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال صلى الله عليه وسلم :" إن الله تعالى لم يبعثني معنفا ولكن بعثني معلما ميسرا، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها " رواه مسلم والنسائي.
ثم وعظهن بعد أن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة وخصهن بأحكام يجدر بمثلهن أن يستمسكن بها لما لهن من مركز ممتاز بين نساء المسلمين، لأنهن أمهات المؤمنين، وموضع التجلة والكرامة، إلى أنهن في بيت صاحب الدعوة الإسلامية، ومنه انبعث نور الهدى والطهر والعفاف، فأجدر بهن أن يكن المثل العليا في ذلك، ويكن قدوة يأتسي بهن نساء المؤمنين جميعا، ويا لها منقبة أوتيت لهن دون سعي ولا إيجاف منهن، بل هي منحة أكرمهن الله بها، فله الحمد في الآخرة والأولى.
الإيمان : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا أي من يعص منكن الرسول صلى الله عليه وسلم ويطلب ما يشق عليه ويضق به ذرعا ويغتم لأجله يضاعف لها العذاب يوم القيامة ضعفين، أي تعذب ضعفي عذاب غيرها، لأن قبح المعصية منهن أشد، ومن ثم كان ذم العقلاء للعالم العاصي أشد منه للجاهل العاصي، وكان ذلك سهلا يسيرا على الله الذي لا يحابي أحدا لأجل أحد، إذ كونهن نساء رسوله ليس بمغن عنهن شيئا، بل هو سبب لمضاعفة العذاب.
روي أن رجلا قال لزين العابدين رضي الله عنه : إنكم أهل بيت مغفور لكم، فغضب وقال : نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أن نكون كما قلت، إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر، ولمسيئنا ضعفين من العذاب وقرأ هذه الآية والتي بعدها.
وإلى هنا تم ما أردنا من تفسير هذا الجزء من كلام ربنا القديم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وكان الفراغ من مسودته، صبيحة يوم الثلاثاء لسبع بقين من جمادى الآخرة من سنة أربع وستين وثلاثمائة ألف من الهجرة النبوية بحلوان من أرباض القاهرة كورة الديار المصرية.
تفسير المراغي
المراغي