الحق سبحانه وتعالى بعد أن خيّر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة أراد سبحانه أن يعطيهن المنهج والمبادئ التي سيسرن عليها في حياتهن، ونلحظ أن آية التخيير كانت من كلام النبي عن ربه، أما هنا فالكلام من الله مباشرة لنساء النبي.
يَا نِسَاء النَّبِيِّ.. ( ٣٠ ) [ الأحزاب ] فبداية المسألة يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ.. ( ٢٨ ) [ الأحزاب ] فلما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة كأنهن ارتفعن إلى مستوى الخطاب المباشر من الله تعالى، كأنهن حققن المراد من الأمر السابق فَتَعَالَيْنَ.. ( ٢٨ ) [ الأحزاب ].
كلمة نِسَاء.. ( ٣٠ ) [ الأحزاب ] نعلم أنها جمع، لكن لا نجد لها مفردا من لفظها، إنما مفردها من لفظ آخر وهو امرأة(١)، وفي اللغة جموع تنوسي مفردها بشهرة مفرد آخر أرق أو أسهل في الاستعمال، وامرأة أو ( مرة ) يصح أيضا من ( امرؤ )(٢)، وهذه اللفظة تختلف عن ألفاظ اللغة كلها، بأن حركة الإعراب فيها لا تقتصر على الحرف الأخير إنما تمتد أيضا إلى الحرف قبل الأخير، فنقول : قال امرؤ القيس، وسمعت امرأ القيس، وقرأت لامرئ القيس.
وبعض الباحثين في اللغة قال : إن ( نساء ) من النسأ والتأخير، على اعتبار أن خلقها جاء متأخرا عن خلق الرجل، ومفردها إذن ( نسء ) وإن كان هذا تكلفا لا داعي له.
وبعد هذا النداء يَا نِسَاء النَّبِيِّ ( ٣٠ ) [ الأحزاب ] يأتي الحكم الأول من المنهج الموجه إليهن : مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ.. ( ٣٠ ) [ الأحزاب ] نلحظ أن الحق سبحانه لم يبدأ الكلام مع نساء النبي بقوله مثلا : من يتق الله منكن، إنما بدأ بالتحذير من إتيان الفاحشة ؛ لأن القاعدة الشرعية في التقنين والإصلاح تقوم على أن " درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة " كما أننا قبل أن نتوضأ للصلاة نبرئ أنفسنا من النجاسة.
ومثلنا لذلك وقلنا : هب أن واحدا رماك بتفاحة، وآخر رماك بحجر، فأيهما أولى باهتمامك ؟ لا شك أنك تحرص أولا على ردّ الحجر والنجاة من أذاه، وكذلك لو أردت أن تكوي ثوبك مثلا وهو متسخ، لا بدّ أن تغسله أولا.
لذلك بدأ الحق سبحانه التوجيه لنساء النبي بقوله مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ.. ( ٣٠ ) [ الأحزاب ] لكن الفاحشة أمر مستبعد، فكيف يتوقع منتهى الذنوب من نساء رسول الله ؟ قالوا : ولم لا، وقد خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : لئن أشركت ليحبطن عملك.. ( ٦٥ ) [ الزمر ].
ومعلوم أن رسول الله ليس مظنة الوقوع في الشرك، إذن : فالمعنى، يا محمد ليس اصطفاؤك يعني أنك فوق المحاسبة، كذلك الحال بالنسبة لنسائه : إن فعلت إحداكن فاحشة، فسوف نضاعف لها العذاب، ولن نستر عليها لمكانتها من رسول الله، فإياكن أن تظننّ أن هذه المكانة ستشفع لكنّ، وإلا دخلت المسألة في نطاق : إذا سرق الوضيع أقاموا عليه الحد، وإذا سرق الشريف تركوه(٣).
إذن : منزلة الواحدة منكن ليست في كونها مجرد زوجة لرسول الله، إنما منزلتها بمدى التزامها بأوامر الله، وإلا فهناك زوجات للرسل خن(٤) أزواجهن واقرأ : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ( ١٠ ) [ الأحزاب ].
ولك أن تسأل : هذا حكم الفاحشة المبينة، أن يضاعف لها العذاب، فما بال الفاحشة منهن إن كانت غير مبينة ؟
قالوا : هذا الحكم خاص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، فإن حدث من إحداهن ذنب بينها وبين نفسها فهو ذنب واحد مقصور عليها، فإن كان علانية فهو مضاعف، لأنهن أسوة وقدوة تتطلع العيون إلى سلوكهن، فإن ظهرت منهن فاحشة كان تشجيعا للأخريات، ولم لا وقد جاءت الفاحشة من زوجة النبي.
فمضاعفة العذاب إذن لأن الفساد تعدّى الذات إلى الآخرين، وأحدث قدوة سوء في بيت النبي، فاستحقت مضاعفة العذاب، لأنها آذت شعور رسول الله، ولم تقدّر منزلته وفضلت عليه غيره لتأتي معه الفاحشة، وهذا يستوجب أضعاف العذاب، فإن ضاعف لها الله العذاب، ضعفين فحسب، فهو رفق بها، ومراعاة لماضيها في زوجية رسول الله.
كذلك إن فعلت إحداهن حسنة، فلها أجرها أيضا مضاعفا، لأنها فعلت صالحا في ذاتها كأيّ إنسانة أخرى، ثم أعطت قدوة حسنة، وأسوة طيبة لغيرها.
فإن أخذنا في الاعتبار حديث النبي صلى الله عليه وسلم :( من سنّ سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) (٥).
علمنا أن أجر الحسنة لا يضاعف فقط مرتين، إنما بعدد ما أثرت فيه الأسوة، وفرق بين الضعف والضعف، الضعف : ضعف الشيء أي مثله، أما الضعف فهو فقد هذا المثل، فهو أقل(٦).
ثم يقول سبحانه : وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ( ٣٠ ) [ الأحزاب ] يعني : مسألة مضاعفة العذاب أمر يسير، ولن تغني عنكن منزلتكن من رسول الله شيئا، فهذا أمر لا يسألني فيه أحد، ولا أحابى فيه أحدا، ولا بدّ أن أسيّر الأمور كما يجب أن تكون، ولا يعارضني فيها أحد، لذلك كثيرا ما تذيّل أحكام الحق سبحانه بقوله : اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٢٢٠ ) [ البقرة ] فالعزة تقتضي أن يكون الحكم ماضيا لا يعدله أحد، ولا يعترض عليه أحد.
وهذا المعنى واضح في قوله تعالى لسيدنا عيسى عليه السلام : وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( ١١٦ ) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( ١١٧ ) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( ١١٨ ) [ المائدة ].
فقوله : وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ.. ( ١١٨ ) [ المائدة ] يقتضي أن يقول : فإنك غفور رحيم، لكن الحق سبحانه عدل إلى فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( ١١٨ ) [ المائدة ] لأن الذنب الذي وقع فيه القوم ذنب في القمة، في الألوهية التي أخذوها من الله وجعلوها لعيسى عليه السلام، وهذا بمقتضى العقل يستوجب العذاب الشديد، لكن الحق سبحانه لا يسأل عما يفعل، يعذّب من يشاء، ويغفر لمن يشاء، فإن غفر لهم فبصفة العزة التي لا يعارضها أحد، فكأن المنطق أن يسأل الله : لماذا لم تعذب هؤلاء على ما ارتكبوه ؟ لذلك دخل هنا من ناحية العزة، التي لا تعارض، والحكمة التي لا تخطئ.
٢ قال الليث: امرأة تأنيث امرئ: وقال ابن الأنباري: للعرب في المرأة ثلاث لغات، يقال: هي امرأته، وهي امرأته، وهي مرته. [لسان العرب ـ مادة: مرأ]..
٣ حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه (٦٧٨٨)، وكذا مسلم في صحيحه (١٦٨٨) من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيها الناس، إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)..
٤ قال ابن كثير في تفسيره (٤/٣٩٣): "ليس المراد بقوله (فخانتاهما) في فاحشة بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء.. قال ابن عباس: ما زنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه"..
٥ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤/٣٦١، ٣٦٢)، وابن ماجة في سننه (٢٠٧) والترمذي في سننه (٢٦٧٥) عن جرير بن عبد الله، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"..
٦ الضعف والضعف: خلاف القوة سواء كان في الجسد أو في الرأي والعقل. وقد قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا [الروم]..
تفسير الشعراوي
الشعراوي