ثم لما اختار نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله أنزل فيهنّ هذه الآيات تكرمة لهنّ وتعظيماً لحقهنّ فقال : يا نساء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ أي ظاهرة القبح واضحة الفحش، وقد عصمهنّ الله عن ذلك وبرأهنّ وطهرهنّ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ أي يعذبهنّ مثلي عذاب غيرهنّ من النساء إذا أتين بمثل تلك الفاحشة ؛ وذلك لشرفهنّ وعلوّ درجتهنّ وارتفاع منزلتهنّ. وقد ثبت في هذه الشريعة في غير موضع أنّ تضاعف الشرف وارتفاع الدرجات يوجب لصاحبه إذا عصى تضاعف العقوبات. وقر أبو عمرو :" يضعف " على البناء للمفعول، وفرق هو وأبو عبيد بين يضاعف ويضعف، فقالا : يكون يضاعف ثلاثة عذابات ويضعف عذابين. قال النحاس : هذه التفرقة التي جاء بها لا يعرفها أحد من أهل اللغة، والمعنى في يضاعف ويضعف واحد، أي يجعل ضعفين، وهكذا ضعف ما قالاه ابن جرير وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً لا يتعاظمه ولا يصعب عليه.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالحا قال يقول : من يطع الله منكنّ وتعمل منكنّ لله ورسوله بطاعته. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله : فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول قال : يقول لا ترخصن بالقول ولا تخضعن بالكلام. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله : فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول قال : مقارنة الرجال في القول حتى يطمع الذي في قلبه مرض. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين قال : نبئت أنه قيل لسودة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم : مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك ؟ فقالت : قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقرّ في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت ؛ قال : فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت بجنازتها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر عن مسروق قال : كانت عائشة إذا قرأت وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ بكت حتى تبلّ خمارها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب قال : كانت الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ؛ أن عمر بن الخطاب سأله، فقال : أرأيت قول الله لأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم : وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى هل كانت جاهلية غير واحدة، فقال ابن عباس : ما سمعت بأولى إلا ولها آخرة، فقال له عمر : فأتني من كتاب الله ما يصدّق ذلك، فقال : إن الله يقول : وجاهدوا فِي الله حَقَّ جهاده هُوَ اجتباكم [ الحج : ٧٨ ] أوّل مرّة فقال عمر : من أمرنا أن نجاهد ؟ قال : مخزوم وعبد شمس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أيضاً في الآية قال : تكون جاهلية أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة أنها تلت هذه الآية فقالت : الجاهلية الأولى كانت على عهد إبراهيم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : الجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد.
وقد قدّمنا ذكر الآثار الواردة في سبب نزول قوله : إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت . وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله والحكمة قال : القرآن والسنة، يمتنّ بذلك عليهنّ. وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة عن سهل في قوله : واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ الآية قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني